العدد 237 - 01/02/2013

ـ

ـ

ـ

 

إعداد: د.طارق البكري

رسم : بنان شكو

في أحد الأيام.. أراد جحا أن يشتري حماراً جديداً بعد أن كبر حماره وأصابه الهرم.. ولم يعد يستطيع حمل الأحمال الثقيلة ولا التنقل بين البراري والجبال.. لكن جحا كان وفياً لحماره فلم يستغني عنه.

وقال له: كيف أتركك يا حماري وقد كنت خادماً لي طوال السنوات الماضية؟ لقد كنت صبوراً وتحملتني كل هذه السنين.. لذا سوف أحضر لك حماراً قوياً يكون يعيش معك في الزريبة ويخفف عنك الأحمال ويسليك في وحدتك.. وسوف تخرج معنا إلى البراري دون أن أضع عليك أي حمل..

وذهب جحا إلى السوق ليبحث عن حمار قوي.. وراح يساوم البائعين حتى وجد حماراً مناسباً.. فقال: هذا هو الحمار الذي أريده.. واشترى جحا الحمار وربطه بحبل قوي.. ومشى يجره وراءه.

وكان هناك لصان شديدا الحيلة يراقبان جحا..

وبعد أن اشترى الحمار وسار عائداً إلى بيته.. تبعه اللصّان..

وفي الطريق شعر جحا بتعب شديد وكاد ينام على الطريق، لكنّه أصرّ على المسير دون أن يمتطي ظهر الحمار حتى لا يتبعه من أول يوم..

ومن شدة التعب كان جحا يمشي ببطء.. ويكاد يسقط على الأرض نائماً.. فانتهز أحد اللصين حال جحا.. واقترب منه يكلمه سائلاً عن طريق السوق.. وفيما كان جحا يشير للرجل بيديه.. اقترب اللص الثاني وحلّ رباط الحبل ووضعه حول عنقه.. وبعد أن تأكد الأول من نجاح الخطة.. ترك جحا ليسير في طريقة.. ثم أخد الحمار وهرب به دون أن ينتبه جحا إلى ما حدث.. وبعد قليل التفت جحا خلفه بعد أن لاحظ تثاقل الحمار عن المشي فأصابته دهشة عظيمة وانعقد لسانه عن الكلام بعد أن وجد إنساناً من لحم ودم.. وبشارب ولحية.. مربوطاً بالحبل.. فتعجب جحا وقال له: أين حماري؟ ماذا فعلت به؟؟.. قل وإلا أخذتك إلى رئيس الشرطة..

فقال الرجل متلعثماً وهو يظهر الخوف والهلع: أنا.. أنا يا سيدي هو الحمار..

فقال جحا مستغرباً: هل تكذب علي.. كيف يكون هذا؟

فقال اللص: اسمعني يا سيدي.. أرجوك.. لو قبلت عذري سامحني وإلا فسلمني إلى الشرطة.. أو افعل بي ما بدا لك..

وراح الرجل يمثّل البكاء..

فقال له جحا: هيا تكلم.. ولا تتكلم إلا بحق..

فقال الرجل المحتال: كنت يا سيدي شاباً صغيراً طائشاً..عاقاً لوالدتي ولا أسمع كلامها ولا أحضر لها ما تطلبه مني.. وفي يوم كانت مريضة.. وطلبت مني أن أذهب وأحضر لها الطبيب.. ولكني كنت كسولاً جدا وصبياً خائباً.. فقلت لها: أنا نعسان وأريد أن أنام.. فاشتد مرض أمي خلال الليل.. ومن شدة ألمها رفعت يديها إلى السماء ودعت الله أن يمسخني حماراً. فلما أصبح الصباح قمت من نومي فوجدت نفسي ممسوخاً حماراً.. فذهبت بي أمي إلى السوق بعد أن شفيت من مرضها وباعتني لأحد التجار، ومن يومها وأنا أباع وأشترى حتى وصلت إليك.. وكل يوم أدعو الله وأصلي أن تعفو أمي عني.. واليوم أحسست صباحا أن أمي سامحتني وبدأت أشعر بالتغيير حتى قدمت أنت واشتريتني، وفي الطريق تغيرت ملامحي وعدت إلى طبيعتي.. بعد سنوات من دعاء أمي عليّ.. وهذا رحمة من ربي.. ومسامحة أمي.. وبركة شرائك لي.. ولو كنت أملك مالاً وفيراً لأعطيتك إياه ولما اكتفيت من شدة فرحتي، خاصة إنك أول من رآني بعدما عدت إلى آدميتي.. وكنت دفعت لك المال الذي اشتريتني به أضعافاً مضاعفة... لكنّك تعرف أنّي لا أملك من المال شيئاً.. فإذا أردتني أن أكون (حماراً) لك كنت ما تريد.. فهذا حقك عليّ.. ولن أعصيك وقد رأيت وخبرت نتيجة عصياني لحق أمي.. ولو تركتني أعود إلى أمي طائعاً متذللاً لها، سأخبرها بموقفك النبيل معي.. وستدعو لك بالخير.. وهي كما ترى دعوتها مستجابة..

وكان جحا واقفاً يستمع إلى الرجل مندهشاً ولا يستطيع الكلام..

وبعد أن سكت الرجل عن الكلام..

طأطأ جحا رأسه.. ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، يا سبحان الله.. استغفر الله العظيم.. كيف كنت سأستخدمك وأنت آدمي؟.. معاذ الله.. اذهب يا بني إلى حال سبيلك.. اذهب إلى أمك واطلب رضاها، وإياك أن تغضبها مرة أخرى..

وحلّ جحا رباط الحبل من حول عنق الرجل وهو يكرر له القول: إياك إياك أن تغضب أمك مرّة أخرى، أما أنا فسيعوضني الله خيراً.

ثم ذهب جحا إلى منزله وأخبر امرأته بهذه الحادثة العجيبة..

وكان الحزن والكآبة يسيطران عليه لأنّه لم يعد يملك مالاً كافياً لشراء حمار جديد..

فقالت له امرأته تواسيه: لا تحزن يا زوجي العزيز، فقد فرّجت كربة هذا الرجل المسكين.. خذ إسوارتي الذهبية وبعها واشتر بثمنها حماراً جديداً.. لا بأس يا جحا.. لا بأس عليك..

وفي صباح اليوم التالي ذهب جحا إلى السوق ليشتري حماراً جديداً.. فأصيب بصدمة كبيرة ووقف مشدوها لا يستطيع الحراك..

فقد رأى الحمار الذي اشتراه بالأمس يقف بين مجموعة من الحمير..

فسأل البائع عن هذا الحمار؟

فقال له البائع: إنّ امرأة عجوز أتت هذا الصباح الباكر وباعتني الحمار..

وكان أحد اللصين قد تنكر على هيئة امرأة عجوز وباع الحمار للتاجر ثم تقاسما المال بينهما..

ثم قال البائع لجحا وقد رأى اهتمامه بالحمار هذا: إنّه حمار قوي.. أنصحك بشرائه..

فتقدم جحا نحو الحمار وجعل فمه في أذنه وقال له والتاجر مستغرب أشد الاستغراب: يا شؤم.. عدت إلى عقوق أمّك... ألم أقل لك لا تغضبها؟ ألم تتعلم من تجربتك القاسية؟؟ إنك بالفعل تستحق ما حلّ بك... والله لن أشتريك أبداً حتى لا تفعل بي مثل المرة الماضية.. فأنت لا تستحق العطف ولا الغفران.. سأتركك مع الحمير ها هنا جزاء عقوقك والدتك.. وعسى أن يشتريك تاجر حديد ليحمل فوق ظهرك أطناناً من الأثقال التي تستوجبها نتيجة فعلك السيئ..

ثم طلب جحا من تاجر الحمير أن يبيعه حماراً آخر.. وشدّ الحبل حول عنقه بعد أن دفع ثمنه.. ثم امتطى ظهره هذه المرة ولم يتركه يمشي خلفه.. وضرب بكعب حذائه أسفل بطنه.. ليحثه على السير نحو منزله..

وفي الطريق راح جحا يفكر بذلك الحمار وحظه السيئ وعاقبة العقوق، وصار يقول في نفسه: لعن الله العقوق لما يورث الإنسان من خزي ومن عار..




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2012                    

www.al-fateh.net