العدد 242 - 15/04/2013

ـ

ـ

ـ

 

تأليف : عبير عبد الله الطنطاوي

للحصول على نسخة من كتاب الإمام الشافعي اضغط هنا

قرع جرس الحصة، وقالت المعلمة للطالبات:

- إذن نحن على موعد غداً لجمع أبحاثكن.. السلام عليكن..

وأجابت الطالبات بصوت واحد:

وعليك السلام ورحمة الله وبركاته..

خرجت فاطمة من غرفة الصف وهي واثقة من نفسها، بأنها سوف تستكمل بحثها عن الإمام الشافعي (رحمه الله) وبينما كانت واقفة في الساحة تنتظر صديقتها (آلاء) لتتناولا طعام الغداء معاً، لمحت (آلاء) وهي تغادر الصف مسرعة باتجاه المكتبة المدرسية، لحقت (فاطمة) بها والعجب باد على محيّاها الأسمر المدوّر كقرص القمر ليلة اكتماله بدراً... أوقفت صديقتها (آلاء) وسألتها:

- إلى أين؟

قالت (آلاء) بعجلة محركة يديها بحركة عصبية تفعلها دائماً كلما كانت متوترة الأعصاب:

- أنا لم أتمّ بحثي بعد..

قالت (فاطمة) بزهوّ:

- أما أنا فقد انتهيت من حياة إمامنا القرشيّ الشافعيّ.

تساءلت (آلاء) مقطبة جبينها بعجب:

- ولكني قرأت أن الإمام ليس من قريش، بل هو من اليمن، فما رأيك؟

قالت (فاطمة) بانزعاج:

- لا لقد قرأت أنه قرشي، أصله من أهل مكة..

قالت (آلاء) منهية النقاش:

- يا صديقتي عليك إتمام بحثك جيداً. هيا معي إلى المكتبة هيا..

وهرولت البنتان نحو مكتبة المدرسة وما إن دخلتا إلى المكتبة حتى أسرعت (فاطمة) نحو رفّ (السيرة والأعلام) وبعد بضع دقائق من البحث الجادّ وفقت (فاطمة) بكتاب كبير يتحدث عن حياة الإمام الشافعي، والشبهات التي آثارها بعض الناس حوله، وردود العلماء عليها.

سعدت (فاطمة) بكتابها وأشارت إلى (آلاء) التي وفّقها الله لبغيتها كذلك.. وغادرت التلميذتان المكتبة وبيد كلّ منهما كنزها الثمين.. وبعد دقائق قرع جرس الحصة ودخلت الفتاتان الصف.. وبعد أن تمت الحصة قفزت (فاطمة) من مقعدها بسعادة تريد مغادرة المدرسة إلى البيت حتى تبحث وتبحث وتتأمل في حياة شيخها الجليل، وكعادتها حين دخلت المنزل ألقت التحيات والقبلات على الوالدين.

ثم توضأت وصلّت وساعدت والدتها في تحضير طعام الغداء، وبعد أن أتمت طعامها غادرت حجرتها تطلب العلم وتعبّ منه عبّاً.. أنهت واجباتها وجلست على كتابها وكم كانت فرحتها كبيرة حين وجدت ردّ القول القائل: إن الإمام ليس من مكة، فقد قرأت أن الإمام البخاري والإمام مسلم (رحمهما الله) وهما من أعلام الحديث في الإسلام يؤكدان صحة نسب الإمام الشافعي لقريش، وأن للإمام الشافعي أربعة من أجداده كانوا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولم يغمض لفاطمة جفن إلا بعد أن أتمّت كتابها الحبيب وختمت بحثها العلمي الجادّ الذي ستقدمه نهار الغد لمعلمتها، وكم تمنّت بعد أن ألمت بحياة الإمام وعرفت الكثير عنه أن تلقاه في منامها، وكم تمنّت لو أن الزمان يجود برجل آخر مثله، ولو أن بطون الأمهات تنجب شافعياً آخر وأيديهن لو تربي رجلاً كمحمد بن إدريس المعروف بالشافعي.

صلّت (فاطمة) العشاء، وتناولت طعام العشاء وسلّمت على الوالدين الحبيبين، وألقت قبلة على جبينهما الطاهرين، ولم تنس أن تداعب أخاها الصغير ببضع كلمات وحركات طفولية، ثم دخلت حجرتها الصغيرة المليئة بالأغراض الطفولية من لعب ولوحات لمناظر طبيعية كانت تغطي جدران غرفتها، ومكتب صغير وضعت عليه الكتب والأوراق، ثم رمت بنفسها على سريرها الصغير بشراشفه الزهرية الزاهية الألوان وغطّت في سبات عميق.. والطريف في نوم (فاطمة) أنها كلما تعلق قلبها بموضوع أو حادثة، رأتها في منامها وكأنها حقيقة ملموسة ماثلة أمام عينيها... ومن شدة إعجابها بالإمام الشافعي حملتها الأحلام البريئة إلى عصره وزمانه ومكانه، حيث وجدت نفسها وكأنها في مكة المكرمة وقد تجلّت الكعبة الشريفة أمام ناظريها وما إن عكست عيناها الخضراوان صورة الكعبة حتى بدأت لآلئ من دموع رقيقة تتهاطل على خدّيها الورديين الأملسين..

ورأت البيوت المحيطة بالكعبة بيوتاً قديمة من طين ولبن، والشوارع ترابية غير مرصوفة، وفي أثناء دهشتها واستغرابها سمعت صوتاً دافئاً يناديها:

- أهلاً بفاطمة الابنة البارّة.

تلفتت خلفها وإذا رجل وقور في الخمسين من عمره، طويل، نحيل، أسمر الوجه، بشوشه، مستطيل الخدّين، نحيفهما، له عنق طويل، ولحية مخضبة بالحناء، حمراء قانية، وعلى أنفه أثر بسيط من مرض الجدري الذي نزل به وهو صغير، ولكنه لم يشوه جماله، تزين شفته السفلى بعض شعيرات، حاجباه غير مقرونين، عليه ثوب من الكتان، وعلى رأسه عمامة كبيرة..

أما الصغيرة (فاطمة) فقد فغرت (أي فتحت) فاها (أي فمها) الصغير ذا الشفتين القرمزيتين (أي الحمراوين)، وهي تتأمل هذا الشيخ الجليل.. أشار إليها بيده اليسرى، أن اجلسي، حيث توجد قطعة من الحصير المتواضع، وحين أشار إليه نقشا لمحت في يساره خاتماً غريباً عليه نقش لم تتمكن من قراءته لبعد المسافة وصغر الخط..

قال لها الإمام:

- أهلاً بابنتي الباحثة الصغيرة فاطمة.

قالت بحبور (أي بسرور):

- أهلاً بك يا سيّدي..

وسكتت هنيهة ثم تابعت تقول: إن لم يخني حدسي، فأنت الإمام الشافعي يا سيدي.

تبسم الإمام بوقار، وبانت أسنانه المفلّجة البيضاء.. وقال:

- نعم.. هو أنا... فكيف عرفت؟

قالت بسعادة:

- كم تمنيت لقياك، وقد أسعدني الله بهذا اللقاء.. فلطالما قرأت عنك، وعرفت الكثير من أوصافك، ومن أخلاقك، ومن أخبارك!

لاحظ الإمام نظرات (فاطمة) المتتابعة نحو يده اليسرى فقال مبتسماً وهو يشير إلى خاتمه:

- هو خاتم نقش عليه (كفى بالله ثقة لمحمد بن 

إدريس) أحبّه كثيراً وما خلعته أبداً..

قالت (فاطمة) بتساؤل:

- ألا يزعجك يا إمامي أن تحدثني عن حياتك؟ فأنا على الرغم من أنني قد بحثت في الكتب عن حياتك إلا أن أذني مشتاقة لسماع حديثك.

قال الإمام:

- أنا يا (فاطمة) وهذا الاسم حبيب على قلبي لأنه اسم ابنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - سيدة نساء العالمين، ثم هو اسم والدتي (رحمها الله) كذلك..

قالت (فاطمة) بسعادة:

- هذا عظيم جداً..

قال الإمام والابتسام لا يفارق محيّاه الأسمر الدقيق القسمات:

- أنا محمد بن إدريس بن شافع المعروف بالشافعي، وقد ولدت نهار الجمعة آخر يوم من شهر رجب من سنة مئة وخمسين، وهي السنة التي توفي فيها الإمام العظيم (أبو حنيفة النعمان رحمه الله)، ولدت في مدينة غزة ثم حملت إلى عسقلان وأنا صغير، وكان والدي فقيراً من بلدة اسمها (تبالة) على طريق اليمن ثم مات والدي في عسقلان وكان عمري سنتين فقط، وكانت والدتي من العابدات الزاهدات وكانت شديدة الذكاء. واسمعي يا بنتي هذه الحادثة، فقد روت لي مرة أن قاضياً استدعاها لتشهد على قضية من القضايا، وكان معها امرأة أخرى ورجل، فأراد القاضي أن يفرّق بينها وبين الشاهدة الأخرى ليسمع من كلّ منهما على حده، إلا أنها قالت له: "ليس لك ذلك، لأن الله تعالى قال: )أن تضلّ إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى)، فرجع القاضي إلى رأيها.

قالت (فاطمة) بأدب: الله!! ما أروع فهمها لكتاب الله، وما أعظم جرأتها أمام القاضي!

ثم قالت:

- حدثني يا جدي عن بداياتك في العلم.. ودور الوالدة العابدة في حياتك العلمية..

قال الإمام وقد سرح بنظره:

- حملتني أمي الورعة إلى مكة المكرمة بعد وفاة والدي خوفاً منها أن يضيع نسبي إذا بقيت بعيداً عن أهلي القرشيين، وما إن بدأ عقلي يظهر قدراته على أخذ العلم حتى دفعت بي والدتي إلى المعلم لأتلقى العلم منذ الصغر في الحرم المكي الشريف، ونظراً لفقري فقد اكتفى المعلم بالشيء اليسير من أجره، ولما رأى سرعة حفظي للقرآن الكريم جعل أجره أن أقف على الصبيان وأعلمهم في غيابه، وما إن بلغت السابعة من عمري حتى وفقني الله لحفظ القرآن الكريم كلّه وفي سن العاشرة قرأت كتاب الموطّأ للإمام مالك (رحمه الله) كله.. 

ثم رأت والدتي أن عليّ أن أخرج من مكة وأذهب إلى البادية حتى أتعلم أصول العربية من منابعها الحقيقية.. ورحلت إلى قبيلة (هذيل)، وهي قبيلة عربية معروفة بفصاحتها، ولزمتها ردحاً (أي زمناً)، طويلاً من الزمن ثم عدت إلى مكة متعلماً الشعر وأصوله، والعربية وقواعدها، وتاريخ العرب وأنسابهم، إلا أن بعض معلمي لم يقبلوا عليّ الشعر، واعتبروه منقصة في حقّ الفقيه.

قالت (فاطمة) بحياء:

- ولكن يا جدي العلم يحتاج إلى ورق وأقلام وهذه المواد كانت باهظة الثمن في عصرك فكيف تدبّرت أمرك؟

قال الإمام:

- هذا صحيح... لقد هداني الله إلى الكتابة على الجلود وأصول سعف (أي ورق) النخيل العريضة، وعلى عظام أكتاف الجمال.. تصوري يا صغيرتي... حتى ملأت في البيت جرتين عظيمتين من هذه المواد، إلا أن اعتمادي الأكبر على ذاكرتي التي وهبني الله إياها... 

وفي هذه المرحلة كتبت الحديث عن أستاذي محدث الحرم المكي الإمام (سفيان بن عيينة) وشيخ الحرم المكي الإمام (مسلم بن خالد الزنجي)، وهو أول من أذن لي بالفتيا وأنا ابن خمس عشرة سنة.

وهنا شعّت ابتسامة رقيقة حبيبة من (فاطمة) وهي تقول:

- تقريباً في مثل عمري؛ فأنا الآن في الرابعة عشرة من عمري.

قال الإمام بود:

- أطال الله عمرك وأحسن عملك يا بنتي.

قالت (فاطمة):

- قرأت أنك حضرت في أحد الأيام درساً للإمام مالك (رحمه الله)، في الحرم المكي فقررت السفر إليه في المدينة المنورة لتنهل من بئر علمه الغزير، وتحدثت الكتب عن لقائك بهذا الإمام الجليل ولكني أريد أن أسمع الحكاية من فيك الطاهر.

قال الإمام والابتسام على وجهه:

- علمت أن الإمام مالك (رحمه الله) صارم في عمله لا يأذن لأحد في الدخول إليه في ساعات العمل أو الراحة ولا يأذن لأحد تلاميذه بمناقشته في أثناء الدرس، وأنا أريد ملازمته والتعلّم منه وعلمت بالفطنة أن رجلاً كهذا لا سبيل للوصول إليه إلا بأن أعرّفه على علمي وقدراتي فاستعرت كتاب (الموطأ للإمام مالك)، وعكفت على حفظه ليل نهار وأمكنني الله من حفظه ولم يبق لي سوى السفر فاضطرت والدتي إلى بيع بعض أثاث منزلنا لتجهزني للسفر وتوسّطت لي عند بعض أقاربها ليطلبوا من والي مكة كتاباً إلى والي المدينة ليتوسط لي حتى ألزم الإمام مالك وسافرت إلى المدينة ولقيت واليها وشرحت له طلبي، وحين عرضت عليه الكتاب، قال كلمات لم أنسها طوال عمري، (يا فتى إن مشيي من جوف مكة إلى جوف المدينة راجلاً حافياً أهون عليّ من المشي إلى باب مالك بن أنس فلست أرى الذل حتى أقف على بابه)، مع ذلك قرّر الوالي مساعدتي فذهبنا عصراً إلى بيت الإمام مالك ولما قرعنا الباب خرجت إلينا جارية سوداء فطلب منها الوالي أن تعلم سيدها أن والي المدينة على الباب.

وبعد فترة شهرت(1) الجارية لنا مرة أخرى وطلبت من الوالي أن يكتب على رقعة ويرسلها للإمام إن كانت له مسألة، أما إن كان قد جاء للحديث، فلينتظر وقت الدرس إلا أن الوالي طلب منها أن تخبر الإمام أنه يريده لأمر عاجل، فغابت الجارية في المنزل، ثم عادت بعد دقائق، ووضعت كرسيّاً عند الباب، وبعد لحظات خرج إلينا الإمام وكان شيخاً طويلاً مسنون اللحية، فجلس وعليه الطيلسان (أي الشال) فرفع إليه الوالي الكتاب فسمعت بضع كلمات من الكتاب بصوت الإمام وهي:

 (إن هذا الرجل يهمني أمره وحاله فحدّثه وتفعل وتصنع)، فرمى الكتاب من يده، ثم قال: (سبحان الله! أوصار علم رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يؤخذ بالوسائل)؟ وهنا لاحظت تهيب الوالي من الرد على الإمام، فجاءتني جرأة من الرحمن، فقصصت على الإمام قصتي وحالي، ولما سمع مني، نظر إليّ وقال – وكان للإمام فراسة لا تخطئ - (ما اسمك؟) قلت (محمد) قال: (يا محمد إنه سيكون لك شأن وأيّ شأن، إن الله تعالى قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بالمعصية، إذا ما جاء الغد تجيء ويجيء ما يقرأ لك)، فذهبت إليه في الغد كما طلب وقرأت عليه الموطّأ حفظاً عن ظهر قلب، فكلما تهيّبت من الإمام، وأردت أن أقطع، كان يقول لي: (يا فتى زد) حتى أتممت قراءة الموطّأ عليه في أيام يسيرة، ولزمته منذ عام مئة وسبعين حتى وفاته (رحمه الله) عام مئة وتسعة وسبعين.

فتابعته فاطمة: رحمه الله، ثم قالت بنعومة:

- حدثني يا جدي عن أسرتك..

قال الإمام مستذكراً أحبابه:

- زوجتي اسمها حمدة بنت نافع وتعود إلى عثمان بن عفان الخليفة الراشدي الثالث، وكان لي ولدان هما: محمد وكنّيته بأبي عثمان، وقلت له في أحد الأيام معاتباً مؤدباً لأعلمه أهمية المروءة والشهامة: (يا بني والله لو علمت أن الماء البارد يثلم (أي يمس) من مروءتي ما شربته إلا حاراً)، أما ولدي الآخر فهو محمد أيضاً حيث كنت أحب اسم رسول الله – صلى الله عليه وسلم - كثيراً؛ وكنّيته بأبي الحسن؛ ولي بنت واحدة جميلة رقيقة مثلك اسمها (زينب) تزوجها ابن عم لي وأنجبت ولداً ذكياً حذقاً هو أحمد بن محمد بن عبد الله.

قالت (فاطمة) بابتسامة حيية:

- نعم يا جدي فقد عرف بابن بنت الشافعي وقال عنه إمام عظيم هو النووي: (إن أحمد كان إماماً مبرزاً لم يكن في آل الشافعي بعد الشافعي مثله، سرت إليه بركة جده).

قال الإمام:

- هذا من فضل الله..

قالت (فاطمة):

- حدثني يا جدي عن غرائب رأيتها في المدينة.

قال الإمام مبتسماً:

- رأيت عجائب أربعة في المدينة هي: جدة ولها إحدى وعشرون سنة فقط، (أي عمرها 21 سنة)، ورأيت رجلاً فلّسه القاضي مديّن من نوى (أي مكيالين من بذور التمر)، وشيخاً قد أتى عليه تسعون سنة يدور نهاره حافياً راجلاً على القيان (أي الراقصات المغنيات)، يعلمهن الغناء وإذا جاء وقت الصلاة صلى قاعداً، وكان في المدينة وال صالح تعجب من عدم تجمع الناس حول منزله فقيل له: إنك لا تضرب أحداً لذلك لا يجتمع عليك الناس، فما كان من الوالي إلا أن طلب إمام الجامع وأخذ يضربه على بابه حتى تجمّع الناس حول منزله.

وهنا صدرت من الإمام ضحكة خفيفة مهذبة، وكذلك وضعت (فاطمة) يدها البضّة الصغيرة على فمها لتكتم ضحكتها الطفولية المهذبة.. ثم أردفت بأدب:

- ثم ماذا أيها الإمام الجليل؟

قال الإمام:

- ثم قررت السفر إلى العراق، من أجل العلم والبحث، ثم إلى بلاد فارس، فمكثت في سفرتي هذه نحو عامين عدت بعدها إلى المدينة المنورة، ودخلت 

الحرم المدني، ورأيت الإمام مالك وهو يلقي درسه 

ورائحة المسك تفوح منه، ثم أخذ الإمام يطرح بعض المسائل على تلاميذه من دون أن يجيبه أحد حتى ضاق صدري فأخذت أحدث رجلاً جالساً بقربي بالجواب وكان يقوله للإمام حتى سأله الإمام: (من أين لك هذا العلم؟) فقال الرجل: (إن بجانبي شاباً يقول لي الجواب)، فاستدعاني الإمام ولما عرفني ضمني إلى صدره الدافئ، وبعد الدرس أخبرته عن تجربتي في علم الفراسة، وهو علم يحاول معرفة نفسيات الناس عن طريق وجوههم، ولكن الإمام لم يرض ذلك لأنه لم يكن يحبذ أن يتعلم الفقيه علوماً لا علاقة لها بالعلم الشرعي.

قالت (فاطمة) بحياء:

- احك لي يا جدي قصة عن فراستك؟

قال الإمام بابتسام:

- لقد حكيت هذه القصة للإمام مالك فضحك عليها كثيراً، وقلما كان الإمام مالك يضحك، وهذه القصة هي أنني مررت في إحدى رحلاتي برجل يقف في فناء بيته، وهو رجل أزرق العينيين، بارز الجبين، حين تأملت ملامحه قلت في نفسي: (هذا الرجل لئيم خبيث والله أعلم)، ثم سألت الرجل: (هل من منزل؟) قال: (نعم) وأنزلني في بيته فما رأيت رجلاً أكرم منه، وبعث لي بعشاء لذيذ وعلف لدابتي، وفراش ولحاف لي فقلت: علم الفراسة علم خاطئ، فهذا الرجل كريم جداً، ولما أصبحت وأردت الخروج قلت للرجل: (إذا قدمت مكة ومررت بذي طوى فاسأل عن منزل محمد بن إدريس)، فقال الرجل

: (أعبد أبيك أنا؟ أين ثمن الذي تكلّفت لك البارحة؟) قلت: (وما هو؟) قال: (اشتريت لك بدرهمين طعاماً، وإداماً بكذا، وعطراً بكذا، وعلفاً بكذا.. إلخ)، فقلت للغلام: (يا غلام أعطه) ثم سألته: (هل بقي شيء) قال: (نعم كراء المنزل فقد وسّعت عليك وضيّقت على نفسي).. وفي هذه اللحظة ضحك الإمام ضحكته الوقورة رافقتها ضحكة (فاطمة) الرقيقة الحيية.

ثم أردف الإمام:

- ثم عدت إلى مكة المكرمة ولكني فوجئت بسخط بعض أقاربي عليّ لأني آخذ العلم عن الإمام مالك وأدافع عن رأيه بشدة، وهذا نوع من أنواع التعصب الفقهي لبعض الفقهاء.

قالت (فاطمة):

- وهذا التعصب غير مرغوب فيه شرعاً وعقلاً يا جدي؟

قال الإمام:

- بلى يا (فاطمة)... هذا وقد ضاقت بي الأحوال، وأصبت بفقر شديد، مما جعل بعض أقاربي يسعون لي عند والي اليمن حتى أعمل عنده، وبالفعل ذهبت إلى اليمن، وعملت للوالي عملاً حمدت فيه، فزادني حتى أنني شغلت منصباً هاماً في اليمن، وكان في اليمن أمير ظالم جائر، فوقفت ضده وضد تصرفاته السيئة، مما جعله يحمل علي، ويحقد على شخصي، فما كان منه إلا أن أحاك لي مكيدة باءت بالفشل، بفضل الله فقد كتب الأمير الظالم هذا إلى الخليفة (هارون الرشيد)، يحذّره مني ويقلبه علي متهماً إياي بالعمل ضد الدولة العباسية.

قالت (فاطمة) وقد قطّبت جبينها الأسمر الجميل، وبانت على محيّاها القمري علامات الحزن:

- وهكذا حملوك يا جدي إلى العراق متهماً بالباطل.

قال الإمام وقد لاحظ الحزن على وجه (فاطمة):

- قال تعالى: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون" صدق الله العظيم.

قالت (فاطمة) بتأثر: - صدق الله العظيم

قال الإمام:

- ولبثت فترة وجيزة في العراق قبل أن يستدعيني الخليفة لأمثل أمامه، واستفدت كثيراً في هذه الفترة، فلم أضع ساعة إلا ونهلت فيها من فيض علم علماء العراق خاصة تلامذة الإمام (أبي حنيفة النعمان رحمه الله)، وهما (أبو يوسف ومحمد) وفي أحد الأيام حضر صاحب (هارون الرشيد) الفضل بن الربيع ليحملني إلى مقر الخليفة فطلبت منه أن أصلي ركعتين فلم يمانع، فصليتهما ثم ركبنا إلى الخليفة فلما وصلت إلى الدهليز الأول حركت شفتي بدعاء أحبه جداً وأريد منك أن تتعلميه وترددينه كلّما ألم بك أمر مخيف:

قالت (فاطمة) بفرح:

- نعم يا جدي أعرف الدعاء وأحفظه وسأردده معك..

ثم أخذ الإمام يتلو الدعاء وفاطمة تصاحبه بصوتها:

- (شهد الله أنه لا إله إلا هو) اللهم إني أعوذ بنور قدسك وببركة طهارتك وبعظمة جلالك من كل عاهة وآفة وطارق الإنس والجن إلا طارقاً يطرقني بخير، يا أرحم الراحمين، اللهم بك ملاذي، فبك ألوذ، وبك غياثي فبك أغوث، يا من ذلّت له رقاب الفراعنة وخضعت له مقاليد الجبابرة، اللهم ذكرك شعاري ودثاري ونومي وقراري، أشهد أن لا إله إلا أنت اضرب عليّ سرادقات حفظك، وقني رعبي بخير منك يا رحمان).

قالت (فاطمة) بخشوع:

- آمين.. ثم ماذا حصل يا جدي؟

قال الإمام:

- سألني الخليفة بضعة أسئلة تدور حول تآمري عليه، كما اتهمت، فأخبرته أنه من أبناء عمومتي فكيف أتآمر عليه؟ ثم راق وجه الخليفة الذي كان حين دخلت عليه مكفهّراً (أي عابساً)، وأخذنا نتحدث، ثم عرض عليّ منصباً في دولته، إلا أنني آثرت ألا أقحم نفسي في مجالات العمل السياسي أبداً، وأن أتفرغ للعلم الشرعي بشكل تام، وهذا الحدث كان على ما أذكر سنة مئة وأربع وثمانين للهجرة، عدت بعدها إلى بلاد الحجاز، فجلست في المسجد الحرام، أحدث الناس وأواظب على دروس الإمام (ابن عيينة) الذي لم يكن يوماً يتحرج من طرح سؤال عليه في فقه حديث ما أو معنى آية، وكان المولى يقدّرني فأجيبه بما يثلج صدره..

قالت (فاطمة) بذكاء:

- وهنا نتعلم منك يا جدي ومن أساتذتك أن العلم الحقيقي يؤخذ ممن هو أعلم منك، أو ممن هو مثلك أو أدنى منك منزلة في العلم، دون تشدد في الرأي أو تعصب..

قال الإمام وقد أعجب ببديهة (فاطمة) وقدرتها على استنتاج الأمور:

- نعم فالعالم المغرور بنفسه جاهل يا (فاطمة).

قالت (فاطمة) بابتسامة:

- صدقت المثل يا جدي كم من تلميذ فاق أستاذه.

هنا ابتسم الشيخ بسعادة ثم أردف:

- في أثناء مقامي بمكة وضعت كتاباً أسميته (الرسالة) وهو أول كتاب وضع في علم شرعي ربما لم تسمعي به بعد وهو علم أصول الفقه، ثم رحلت إلى العراق مرة أخرى، ولكن هنا برغبتي..

وهنا صدرت ابتسامة رقيقة من الإمام (فاطمة).. ثم قال الإمام:

- وكان ذلك سنة مئة وخمس وتسعين، وبقيت فيها سنتين خصبتين فعلاً، جلست في المسجد (القربي) ببغداد لإلقاء الدروس وكان الإمام أحمد بن حنبل موجوداً ومن تلامذتي الذين أصبحوا من أكابر علماء العراق والحمد لله.

قالت (فاطمة) بفخر:

- قال الإمام أحمد عنك: (ما أحد مس محبرة وقلماً إلا وللشافعي في عنقه منة).

قال الإمام:

- هو قال ذلك؟ رحمه الله رحمة واسعة، وكانت حصيلة علمي كتاباً أسميته (الحجة) رواه عني أربعة من أصحابي العراقيين أحمد بن حنبل وأبو ثور والزعفراني والكرابيس.

قالت (فاطمة) مداعبة:

- وقمت بمناظراتك الشيقة بأسلوبك الرقيق الهادئ الخفيض الصوت أثناء الحوار، فهلا حدثتني عن واحدة على الأقل؟

قال الإمام:

- يعلم الله أنني لم أناظر أحداً إلا ووددت أن أصل معه إلى الحقيقة الصافية دون أن أكثرت بغلبي له وغلبه لي.

في إحدى مناظراتي مع تلميذي الإمام أحمد بن حنبل قلت له: تارك الصلاة غير مستهزئ بها لا يكفر..

قال أحمد: بل يكفر..

قلت له: إذا كان كافراً فبم يسلم؟

قال أحمد: يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

قلت له: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه.

قال أحمد: يسلم بأن يصلي.

قلت: صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالإسلام بها..

وهنا سكت أحمد وغلبته في هذه المناظرة.

وهنا ضحكت (فاطمة) بأدب، سعيدة بذكاء عالمها الجليل.. ثم قالت:

- ثم عدت يا جدي مرة أخرى إلى مكة، ولزمت حلقتك فيها، وبعدها رحلت إلى العراق، ولكن كما علمت من الكتب، لم يرق لك المقام فيه، لأن أكثر إخوانك العلماء كانوا قد ماتوا، والأحياء منهم، شغلتهم مشاغل الحياة عن التفرغ للعلم، والتبحر فيه.

قال الإمام:

- ولذلك رحت إلى مصر الغنية بألوان العلوم، كالطب والفلسفة والفراسة وغيرها من العلوم التي أحبها وأحترمها، ولكن آلمني التعصب المذهبي الذي كان سائداً في مصر حتى إن بعض المتعصبين للإمام مالك – رحمه الله - تمنوا موتي، فأنشدت لهم شعراً قلت فيه:

تمنى رجال أن أموت وإن أمت    فتلك سبيل لست فيها بأوحد

فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى    تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد

قلت: لم أفهم معنى (فكأن قد).

أجاب: فكأن الموت جاءك يسعى.

ثم قال:

ولشدة تعصبهم المذهبي جعلوا قلنسوة من قلنسوات الإمام مالك مادة يستسقي بها الناس في بلاد المغرب، مما جعلني أعلن على الملأ (أي الناس) أن الإمام مالك إنسان يخطئ ويصيب. وهذا الكلام، لم يعجب أولئك المتعصبين للإمام مالك.

وسكت الإمام هنيهة ثم تابع يقول:

وفي مصر استفدت من فقه الإمام (ليث بن سعد)، ومن علم تلاميذه، كما إنني أعدت النظر في كتابي (الرسالة) وفي كل ما أخذته عن الإمام (مالك رحمه الله)، وغيّرت كثيراً من آرائي، وكانت حصيلة ذلك كتاباً جديداً أسميته (الأم) وهو عبارة عن مجموعة كتب جمعت فيه كل آرائي الحديثة، أو مذهبي الجديد كما يحب أن يطلق عليه العلماء.

قالت (فاطمة):

- كيف كان برنامجك اليوم يا جدي؟ كيف كنت تقضي أيامك؟

قال الإمام:

- كنت أصلي الفجر في المسجد ثم أنصرف إلى مجلسي، فأبدأ بأهل القرآن الكريم، فإذا طلعت الشمس، جاء أهل الحديث، وهكذا لا يزالون هم وأهل النظر والعربية حتى ينتصف النهار، ثم أنصرف إلى بيتي.

قالت (فاطمة):

- وعلمت أنك قد رابطت (أي كنت متأهباً للجهاد)، على ثغر الإسكندرية.

قال الإمام وقد قطب جبينه الأشم (أي العالي):

- كنت قد أصبت بمرض مؤلم عانيت منه أربع سنين، وكان السبب في وفاتي، وفي أثناء هذه العلة كان علي أن أرابط على ثغر الإسكندرية، لأن الرباط يا بنتي جهاد في سبيل الله، وأنا أحب أن أركض نحو الأجر ركضاً.

قالت (فاطمة):

- لقد قال عنك صديق الربيع: خرجت مع الشافعي من (الفسطاط) إلى (الإسكندرية) مرابطاً، فكان يصلي الصلوات الخمس في المسجد الجامع، ثم يصير إلى المحرس، فيستقبل البحر بوجهه، وهو جالس يقرأ القرآن، حتى أحصيت عليه ستين ختمة في شهر رمضان، قال الإمام بتواضع وحياء العلماء:

- هذا من فضل ربي يا (فاطمة).

ثم قال الإمام بشموخ، والابتسامة الوقور تملأ محيّاه (أي وجهه) الأسمر الجميل وهو يقول:

- آن لي أن أنصرف يا بنتي، بارك الله فيك ولك.

سارعت (فاطمة) بالقيام مذعورة منزعجة وهي تقول:

- ولكني لم أشبع منك بعد، ولم أنه كلامي أيضاً.

في هذه الأثناء كانت (أم فاطمة) توقظها بلطف، وعلى وجهها علامات استغراب من كلام فاطمة في منامها... نهضت فاطمة وهي تقول مشيرة بيدها:

- لا يا جدي ابق معي ابق معي يا جدي..

ثم استيقظت فنظرت أمامها، فوجدت أمها قائمة عند رأسها، فقالت بعجب:

- أين أنا.. ما هذا المكان؟!

قالت أمها:

- ماذا بك يا فاطمة؟ أنا أمك، وهذا منزلنا..

قالت في حزن:

- آه... لقد كان حلماً.. بل كان منحة منحها الله لي في نومي..

قالت الأم باستغراب:

- حلم؟ ماذا يا حبيبتي؟ خير إن شاء الله.

قالت مبتسمة:

- حين أعود من المدرسة أخبرك بكل شيء يا أمي الحبيبة الغالية.

وفي المدرسة، جلست مع صديقتها (آلاء) والسعادة تطفح من وجهها المدور وقالت:

- آلاء.. تعالي أحدثك عن جدي الشافعي الذي زارني وعن أحاديثه الحلوة.

قالت (آلاء) باستغراب:

- زارك... أين؟

قالت فاطمة:

- سوف أحدثك بكل ما دار بيننا من أحاديث، أثناء الفرصة.

وفي الفرصة كانت الصديقتان جالستين تتحدثان عن الحلم الرائع، والروح الطاهرة التي زارتها أثناء الليل... ثم قالت آلاء:

- حدثيني عن أجمل مواقف الشافعي..

قالت فاطمة:

- آه.. إن للشافعي الكثير من المواقف الرائعة... ولكن ما أعجبني ورسّخ في مخي، فراسته، وأنت تعلمين أن الفراسة هي علم معرفة نفسيات الناس من خلال وجوههم.. والشافعي (رحمه الله) كان علامة في هذا العلم، قال عنه رجل اسمه (المزني) وهو أحد أصدقاء الإمام، إنه كان يوماً مع الإمام في الجامع إذ دخل رجل يدور على النيام فقال الشافعي لصديقه الربيع الذي كان معه أيضاً:

قم فاسأل الرجل: (هل فقدت عبداً أسود مصاباً بإحدى عينيه؟)

ففعل الربيع ذلك، فأخبره الرجل أنه حقاً قد فقد عبده الأسود المصاب بإحدى عينيه، ثم أخذ الربيع إلى الشافعي فسأل الرجل الإمام:

أين عبدي؟

فقال له الإمام: اطلبه في الحبس.

فذهب الرجل فوجده في الحبس، ثم رجع الرجل وطلب من الشافعي أن يحدثه كيف عرف ذلك فقال له الإمام: رأيت رجلاً دخل من باب المسجد يدور بين النيام فقلت يطلب هارباً، ثم رأيته يجيء إلى السودان دون البيض فقلت: هرب له عبد أسود، ثم رأيته يجيء إلى ما يلي العين اليسرى، فقلت: مصاب بإحدى عينيه، فقال له الرجل:

وما يدريك أنه في الحبس؟

فقال الإمام:

- الحديث في العبيد: إنهم إن جاعوا سرقوا، وإن شبعوا زنوا، فتأولت (أي خمنت) أنه فعل أحدهما فكان كذلك.

قالت آلاء:

- سمعت حكمة للإمام الشافعي تقول: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة..

قالت فاطمة:

- إن للإمام من الحكم الشيء الكثير، أذكر منها قوله: (من ضحك منه في مسألة لم ينسها أبداً)، وقوله (من حضر مجلس العلم بلا محبرة وورق، كان كمن حضر الطاحون بغير قمح) وقوله (لا خير في صحبة من تحتاج إلى مداراته)، وهذه مقولة جميلة جداً (من استغضب (أي حاول الناس إغضابه) ولم يغضب فهو حمار، ومن استرضي (أي حاول الناس طلب رضاه) ولم يرض فهو شيطان) وهنا شعّت ضحكات بريئة من البنتين المثقفتين، قالت – بعدها آلاء -:

- لقد حفّظني والدي شعراً رائعاً للإمام يتحدث فيه عن الرفاق الطيبين:

قالت فاطمة بلهفة:

- وما هو؟ قولي..

قالت آلاء، وقد سرحت بعينيها السوداوين:

أحب من الإخوان كل موات    وكل غضيض الطرف من عثرات

يصاحبني في كلّ أمر أحبه    ويحفظني حياً وبعد وفاتي

فمن لي بهذا ليت أني أصبته    فقاسمته مالي مع الحسنات

قالت فاطمة بإعجاب:

- الله أكبر! ما أجمله شعراً وحكمة! رحم الله الإمام الشافعي فقد كان شاعراً فذاً، كل شعره حكمة.

قالت آلاء:

- صدقت يا فاطمة، ولكن قبل أن يقرع جرس الحصة وندخل الصف أخبريني كيف توفي الإمام رحمه الله؟

قالت فاطمة، وقد رسم الحزن الشفّاف بضع خطوط كئيبة على وجهها الطفولي البريء:

- لقد ابتلي الإمام بمرض اسمه (البواسير) في السنوات الأربع الأخيرة قبل وفاته، وكان هذا المرض يسبب له نزيفاً دموياً باستمرار، ومع ذلك فقد وقف مرابطاً على ثغر الإسكندرية، وهو يعاني من النزيف، ولكن علّته هذه ما وقفت يوماً دون أداء رسالته في تعليم الناس، وإرشادهم، وفي التأليف، غير آبه (أي غير مبال)، بمرضه ونزيفه حتى اشتدّ عليه المرض، ومات بسببه.

خنقت العبرات السخية كلمات فاطمة الأخيرة، ثم هطلت دموعاً حزينة شجية من عيني آلاء.. ومضت دقيقة صمت، قالت – بعدها - آلاء، وقد تماسكت محاولة إخفاء حزنها:

- لنقرأ الفاتحة على روحه الطاهرة.

_________

(1) شهرت: ظهرت




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2012                    

www.al-fateh.net