العدد 243 - 01/05/2013

ـ

ـ

ـ

 

قصة : وليد الهودلي

رسم : بنان شكو

(1)

عائشة بلغت الآن أربع سنوات ... أمها في سجن شمال فلسطين ... أبو ها في سجن جنوب فلسطين حيث صحراء النقب ... طبعا تعرفون السجان ... هو الإحتلال الذي احتل فلسطين وطرد أهلها منها ... هو الآن يدخل آلاف كثيرة منهم في سجونه ... حتى هذه الطفلة عائشة دخلت السجن مع أمها ولما بلغت السنتين من عمرها فصلوها عن أمها بطريقة وحشية ... أمها بقيت في السجن وعائشة خرجت لتعانق أباها في سماء الحرية ... سماء مدينة رام الله الجميلة ... ثم ما لبثوا أن سجنوا أباها وبقيت مع جدها وجدتها وأعمامها وعماتها ... هل يغني كل هؤلاء الأحباب عن أمها وأبيها ؟!

أستطاع أبوها أن يدخل الفرحة في قلبها رغم هذه المسافة البعيدة بين صحراء النقب ومدينة رام الله ... كيف ؟! إستطاع إخوانه الأسرى بعد سلسة من المغامرات الناجحة والبطولات الرائعة أن يوفروا جهاز اتصال – هاتف خلوي – ليصل قلبه الكبير بقلب عائشة الصغير ...

عائشة بذكائها وأسألتها الكثيرة استطاعت أن تكتشف شيئا جميلا في سجن النقب سألت وهي تتكلم مع أبيها على الهاتف : 

ـ السجن الذي أنت فيه ياأبي في الصحراء ... صحيح ؟!

ـ نعم صحيح

ـ عندكم جمل ؟!

ـ نعم ؟

ـ ما لونه ؟

ـ أشقر أو بني فاتح

ـ كبير أم صغير ؟!

ـ كبير ....

ـ هل يتكلم ؟!

ـ نعم

ـ ماذا يقول ؟

ـ قال لي : سلم على عائشة ....

ـ أنت تضحك علي ! الجمل لا يتكلم ....

ـ قلت لك إنه يتكلم ... هذا جمل عجيب ويختلف عن غيره .

ـ يا جمل ... تعال يا جمل ... كلم عائشة ... إنها تحبك وتريد أن تتكلم معك

جاء الجمل ... وتكلم مع عائشة بصوت هادئ وجميل ....

ـ من أنت ؟!

ـ أنا عائشة .... أنا بحبك يا جمل ...

ـ وأنا أحب كل الأطفال الحلوين ...

ـ كيف دخلت السجن ؟ الصهاينة " المقاطيع " حبسوك ؟

ـ لا ، لا ، أنا جئت هنا وحدي ... وأنا أحببت الأسرى وأحببت العيش معهم ...

ـ قل لي : كيف دخلت السجن ؟

ـ هذه لها قصة ... أتحبين سماعها ....

ـ نعم، نعم ....

- في يوم من الأيام كنت سائرا مع أبي وأمي وأخوتي في الصحراء ... رأيت شيئا غريبا .... رأيت أسوارا عالية غريبة عن طبيعة الصحراء الجميلة ... وسألت أبي : ما وراء هذه الأسوار ؟ ومن هؤلاء البشر الذين يلبسون اللباس الأزرق ويحملون السلاح ؟ فأجابني أبي : خلف الأسوار يوجد أسرى، أناس مظلومون ومسجونون تحيط بهم هذه الأسوار العالية ، أما هؤلاء الذين يحملون السلاح فهم الظالمون الذين يضعون الأسرى في السجن ويمنعونهم من الخروج .

ـ أبي واحد منهم أخذوه من عندي وحرموني منه ... حبيبي بابا ...

ـ أنا الجمل الذي لا يحب الظلم ... لذلك قررت أن أنضم إليهم ...

ـ وكيف دخلت هذا السجن ؟!

ـ أنا الجمل سفينة الصحراء ... كما أخترق الصحراء سألت الله أن يمكنني من إختراق هذه الأسوار العالية ، دلني أبي على طريقة قديمة يعرفها من قديم الزمان وهي أن أشرب كمية كبيرة من الماء عندها أصبح شفافا كالماء ... أرى الناس ولا يرونني ... ودعت أبي وأمي وأخوتي ... شربت ماء كثيرا ....

تحولت الى غيمة جميلة طارت في السماء ثم تحركت خلف الأسوار ، رأيت الأسرى ....

فنزلت عندهم حيث المفاجأة الجميلة لهم .... فجأة وجدوا جملا يسير بينهم

ـ هل فرحوا ؟ وكيف سلموا عليك ؟!

هنا تدخّل أبو عائشة وقال ...

ـ انتهى وقت المكالمة ... غدا نكمل القصة أيها الجمل الجميل ....

قالت عائشة :

ـ أنا بانتظارك بابا ... غدا ... سأحدث جدتي عن قصة الجمل .... ثم نادت جدتي جدتي .... أنا تكلمت مع الجمل الذي يعيش مع أبي في السجن .

حدثت عائشة جدتها وكل من حولها من الأحباب عن الجمل وعن الحديث الذي كان بينها وبينه ، أحبته حبا كبيرا ورسمت له في خيالها صورة جميلة وصارت تحلم في اليوم الجميل الذي ستلتقي فيه مع الجمل الحبيب ...

(2)

في اليوم التالي أخذت تنتظر موعد الاتصال الذي اعتاد عليه أبوها .... إنه بعد صلاة المغرب ... جلست بعد أذان المغرب قرب الهاتف تنتظر لحظة وراء لحظة بفارغ الصبر .... تترقب وترى نفسها وقد حملها الجمل على ظهره وراح بها بعيدا حيث الصحراء الواسعة وشجر النخيل العالي وقطوف البلح اللامعة تحت أشعة الشمس الذهبية ...

كانت تتصور نفسها وهي على ظهر الجمل قادرة على قطف البلح بيديها الصغيرتين وقد يأخذها الجمل الى الواحة الخضراء التي تتميز بلونها الرائع وظلال أشجارها المنعشة ، هناك بعيدا وسط الصحارى الكبيرة تجد مثل هذه الواحات العليلة .

رن الهاتف .... هبت عائشة لترفع السماعة وتقول :

ـ من ؟ بابا ؟! أين الجمل ؟! هل هو نائم أم مستيقظ ؟!

ـ إطمئني يا عائشة إنه صاحٍ ... إنه ينتظرك منذ الصباح .

ـ اعطني إياه ... هيا يا بابا أسرع؟

ـ ألا تريدين أن تتحدثي قليلا مع أبيك أولا ...

ـ بعد قليل يا بابا ... أريد أن أكمل القصة مع الجمل ...

ـ هاهو الجمل يتحدث معك ... تفضل ياجمل ....

ـ جملي الحبيب .... كيف حالك ؟

ـ الحمد الله يا ست عائشة ... كيف حالك مبسوطة ؟

ـ الحمد الله ... الآن أنا أنتظر قبل أن تكمل القصة ... كيف أستقبلك الأسرى عندما نزلت في ساحتهم ؟ هل خافوا منك ؟ !

ـ خافوا مني ؟! بالعكس تماما إنهم فرحوا أشد الفرح ... أحاطوني من كل جانب .... مسحوا بأيديهم بكل عطف وحنان على رأسي ورقبتي وسنامي ؟ يا سلام ما أحسن هؤلاء الناس ... قلوبهم طيبة ووجوههم مبتسمة مضيئة .

ـ هل أطعموك ؟!

ـ يا سلام ... أحضروا لي طعاما لذيذا لم أذق مثله من قبل ... بطيخ ، خيار ، بسكوت ، أنا لم أشعر بالسعادة والفرح عندهم لأنهم أطعموني ... لا وإنما لأنهم أناس طيبون ومظلومون .

ـ جدتي تقول عن هؤلاء الصهاينة السجانين : " المقاطيع " ، تصور ياجمل سجنوا أمي وأبي ... أنا كنت مع أمي في السجن وأنا صغيرة ... لما كبرت أخرجوني ولم يتركوا أمي كي تخرج معي ... ما ذا نسمي هذا يا جمل ؟!

ـ نسميه " الظلم " .... دعيني أكمل لك القصة ....

ـ تفضل يا حبيبي يا نور عيني ... تفضل يا جمل .

ـ أنا ا سمي صبور يا عائشة ...

ـ اسمك جمل !!

ـ أنا جمل ولكن أبي سمّاني صبور

ـ لماذا سماك صبور ؟!

ـ نحن الجمال نصبر كثيرا ... نسافر مسافات طويلة في الصحراء الحارة حيث لا ماء ولا طعام ولا ظل ... نحمل على ظهورنا أحمالا ثقيلة ... لذلك فإننا نصبر ونتحمل الحياة أكثر من غيرنا ... لذلك سماني أبي صبور .

ـ لنكمل القصة أيها الجمل الصبور ... الأسرى فرحوا بك ولكن الصهاينة السجانين ... ماذا فعلوا هؤلاء بك " المقاطيع " ؟ !

ـ إنهم لا يحبون أن يروا الفرحة في وجوه الأسرى ... غاظهم وأغضبهم وجودي معهم فأعلنوا الحرب ... أحضروا عشرات الجنود بأسلحتهم وعصيهم ... حاصروا السجن وطلبوا من الأسرى إخراجي من عندهم وإلا فسيدخلون وسيطلقون الرصاص عليّ وعلى كل من يدافع عني من الأسرى ... تقدم أمير الأسرى وهو رجل عاقل حكيم ....... قال للصهاينة والسجانين الملاعين : ماذا يضركم وجود الجمل معنا ؟! 

قالوا بعنجهية وكبر :  

ـ لا يضرنا بشيء ولكن وجوده معكم ممنوع ؟!

قالت عائشة :

ـ هذه كلمة " ممنوع " أكثر كلمة كنت أسمعها في السجن ، كل شيء ممنوع ...

تابع الجمل ، قال الأمير :

ـ نحن مستعدون أن ندفع لكم أشياء ثمينة مقابل بقائه معنا ...

ـ هذا الأمر لا يقبل المساومة ... أخرجوه لنا قبل أن نقتله ...

ـ لن ندعكم تقتلونه ... سنموت جميعا نحن والجمل أو نحيا جميعا .

ـ أذا أنتم الخاسرون ...

ـ الظالم هو الخاسر دائما ...

"رفع الجنود أسلحتهم واستعدوا لإطلاق النار ؟؟؟ كانوا ينتظرون الأمر من كبير الإجرام فيهم ... " أنا الجمل الصبور لا أريد أن أتسبب بالضرر للأسرى الأحباب ... ماذا أفعل ... تذكرت الطريقة التي دخلت بها السجن ... توجهت إلى الماء وأخذت أشرب وأشرب ... كل العيون تنظر إلي ... العيون المحبة والعيون الحاقدة... قلت يا ألله .... شعرت أن جسمي قد أصبح روحا شفافة ... تحولت إلى غيمة .. ارتفعت في السماء .... توارت عيون الحاقدين وارتدت خاسئة ... أشرقت عيون الأسرى فرحا ... سجدوا جميعا لله.

قال أبو عائشة :

ـ لقد انتهى وقت المكالمة أيها الجمل الصبور ... اذا سمحت أعطني الهاتف

ـ تفضل يا صديقي

سألت عائشة :

ـ وماذا حدث بعد ذلك

ـ كيف عدت للأسرى

ـ هذا ما سيحدثك عنه غدا إن شاء الله ... مع السلامة يا بابا .

ـ السلام عليكم يا حبيبي يا بابا

ـ تصبحين على خير

يتبع في العدد القادم بمشيئة الله




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2012                    

www.al-fateh.net