العدد 243 - 01/05/2013

ـ

ـ

ـ

 

كان عمر جالساً يستمع إلى والده وهو يتحدث مع أخيه الكبير عن أهمية العمل في حياة الإنسان.

سرح عمر بعيداً يفكر بكلام والده، فأخذ يتخيل نفسه وقد كبر وهو جالس أمام التلفاز لا يعمل، ينتظر والده كي يحضر له المال والطعام والملابس.

شعر عمر بنفسه بالنقص وقلة الحيلة، فكل من حوله يعمل ويجدّ ويكدح إلا هو، ينتظر من يقوم عنه بكل أعماله.

انتفض عمر وهبّ واقفاً على قدميه، وقد قرر العمل من هذه اللحظة..

فكر عمر كثيراً عن العمل الذي سيقوم به..

فكر وفكر وفكر..

فإذا ساعٍ للبريد يظهر على شاشة التلفاز، وهو يحمل حقيبة فيها مغلفات تحمل رسائل للناس، ويلبس قبعة كبيرة، ويقود دراجة هوائية، يدور على البيوت يدقّ الأبواب هنا وهناك كي يعطي الناس رسائلهم..

صاح عمر بصوت عالٍ:

- وجدتها.. وجدتها..

ركض عمر إلى غرفته مسرعاً، وفتح خزانته وأخذ قبعته ولبسها، ثم أخذ حقيبته المدرسية، وأفرغها من الكتب المدرسية، ثم ذهب مسرعاً إلى مكتبة والده وأخرج منها بعض المغلفات الفارغة.

وقف عمر أمام المرآة كي يرى نفسه، حتى يجد ما ينقصه.

ابتسم عمر ابتسامة رضى عن نفسه، ولكنه تذكر أن الدراجة الهوائية لم يشترها له والده بعد، فقد وعده إذا تفوق في هذا العام سيهديه دراجة جميلة.

شعر عمر بالحزن لأنه لا يملك الدراجة، فذهب إلى والده وقال له:

- أبتي.. أنت وعدتني أن تهديني دراجة على نجاحي وتفوقي.. حسناً سأتفوق في دراستي أعدك بذلك، ولكن اشترِ لي الدراجة الآن..

نظر أبو عمر إلى ابنه وابتسامة عريضة ارتسمت على وجهه الحنون، وهز رأسه مستفسراً عمر عن طلبه هذا المفاجئ.

قال عمر:

- أريد أن أعمل حتى لا أكون عالة على أحد، وقررت أن أكون ساعياً للبريد..

انفجر أبو عمر ضاحكاً حتى استلقى على ظهره، واحمرّ وجهه بهجة وسروراً، ولكن عمر احمرّ وجهه خجلاً من ضحك والده عليه..

هدأ أبو عمر قليلاً ولاحظ خجل عمر من ضحك والده عليه، فقال بعد أن أخفى ضحكاته بصعوبة:

- اعذرني يا عمر، فأنا لا أريد الاستهزاء بك، ولكن عمل ساعي البريد قد انتهى منذ زمن.

قال عمر:

- ولكنني وجدت على التلفاز ساعياً للبريد يوزع الرسائل على الناس..

تبسم أبو عمر ضاحكاً وقال:

- ما شاهدته على التلفاز هو تمثيل لما كان يجري في الزمن السابق، أو في بعض البلاد التي لا يزال فيها ساعٍ للبريد، أما عندنا نحن فقد انتهى عصر ساعي البريد يا عمر.

خلع عمر قبعته وألقى المغلفات من يده، وارتمى على صدر والده حزيناً، يسأله أن يبحث له عن عمل كما يبحث لأخيه الكبير عن عمل.

ضمّ أبو عمر عمر إلى صدره فخوراُ به، وقال:

- كم أنا فخور بك وبرجولتك يا عمر.. ولكنك ما زلت صغيراً، ودراستك الآن هي أفضل الأعمال، تفوق في دراستك، وستجد أبواب العمل قد فُتحت لك بإذن الله..




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2012                    

www.al-fateh.net