العدد 244 - 15/05/2013

ـ

ـ

ـ

 

(2)

قصة : وليد الهودلي

رسم : بنان شكو

(3)

وفي اليوم التالي كانت عائشة تجلس في شرفة منزلها في مدينة رام الله ... كان الوقت مساء ً وكانت عائشة تراقب الشمس وهي تغيب في الأفق ... كانت عائشة تنظر إلى هذا المشهد البهيج وهي فرحة مسرورة وذلك لسببين :

الأول : لأنها تشعر بأن الشمس في سفرها إلى هذا المكان البعيد تحمل لها سلاما إلى أمها حيث أنها تمر بها وترسل إليها هذه الصور البديعة .... أما السبب الثاني فإن مغيب الشمس يذكّر بقرب سماعها لرنين الهاتف القادم من أبيها الحبيب وجملها الصبور ....

غابت الشمس بضيائها وروعة عناقها المسائي للأفق ، حل الظلام وأرخى بظلاله السوداء كما حل الاحتلال على فلسطين وأتى بالسجون .. انكمشت عائشة على نفسها قليلا لولا أنها سمعت رنين الهاتف فهبت إليه والفرحة تقفز على وجهها ... " بابا ... بابا ... حبيبي بابا ... "

ـ ألو مين .... بابا ؟!

ـ كيف حالك يا عائشة ؟! مبسوطة ؟!

ـ الحمد الله ... إذا سمحت أعطني الجمل ...

ـ إنه بانتظارك ... هاهو ذا تفضلي....

ـ حبيبي الجمل صبور ... إني مشتاق إليك .

ـ وأنا كذلك ... أحب سماع صوتك العذب ... يا لك من طفلة رائعة ...

ـ أنا لم أعد طفلة ... أنا كبرت كثيرا ... ها أنا أتحدث مع الجمل وأسمع منه قصة عظيمة

ـ إذا لنتابع القصة ...

ـ تفضل يا سيدي ... ماذا فعل السجانون " المقاطيع " بعد أن رأوك تتحول إلى غيمة ... هل عرفوا بأنهم على باطل .

ـ هؤلاء ؟! لقد كذّبوا ما رأت أعينهم ؟! إنهم المغضوب عليهم ... إنك تحفظين سورة الفاتحة يا عائشة ؟!

ـ نعم أحفظها ... أقرأ دائما المغضوب ولا أعرف معناها ، الآن عرفت إنهم الذين يعرفون الحق ثم يعرضون عنه .

ـ تماما مثل هؤلاء الصهاينة السجانين ... جاءوا في اليوم التالي إلى السجن بقوة كبيرة .... خمس دبابات وعشرات الجنود الذين يحملون الأسلحة القاتلة ...

أخرجوا الأسرى من خيامهم .... جعلوهم صفوفا أمامهم ... وجهوا الأسلحة إلى صدورهم ...مدافع الدبابات نظرت إليهم بحقد أعمى ... كان الوقت ظهرا ...تعلمين حرارة الصيف في الصحراء ...إنها شديدة وقاسية ..كانت كنار النمرود التي أوقدها كي يلقي سيدنا إبراهيم فيها ... تعرفين هذه القصة ؟!

ـ نعم ... نعم ، حدثتني عنها أمي عندما زرتها في السجن ...

ـ جاء مدير السجن ... قال للأسرى : أنتم عندكم جمل وهذا ممنوع أخرجوه لنا خير لكم ..

قال أمير الأسرى

ـ لقد كان عندنا بالأمس وقد خرج وأنتم تنظرون إليه .. اسأل من رآه من السجانين ...

أجاب المدير غاضبا ...

ـ لا أريد أن أسأل ... هما كلمتان لا ثالث لهما ... أخرجوه فورا .. مفهوم

قال الأمير :

ـ أقسم بالله بأنه لا يوجد لدينا جمل ... لماذا لا تصدقنا ... اسأل السجان " شلومي " لقد رآه معنا ...

رفع المدير صوته ونهق :

ـ لقد سمعت ما قلت ... أنا لا أصدق هذا

ـ إذا فتش السجن وتأكد بنفسك أن الجمل غير موجود ...

ـ لا أريد التفتيش...ستبقون في الشمس حتى تأتوني بالجمل ...

واشتدت الشمس عليهم ... العرق ملأ أجسامهم ... واشتعل الغضب في صدورهم ... ولكن ماذا يفعلون والأسلحة توجه حقدها القاتل عليهم ... كانوا لا يستطيعون الجلوس .... ولا يستطيعون الحركة ولا فعل أي شيء .... فقط كانت القلوب عامرة بذكر الله ... توجه الأسرى إلى الله يدعونه ويستغيثون به... لم يكن أمامهم في هذه الصحراء البعيدة وأمام هؤلاء السجانين الملاعين إلا الله ...

ـ وأنت أيها الجمل الصبور ماذا فعلت ؟!

ـ أنا تحركت بسرعة إلى معشر الجمال أخبرتهم ماذا يجري لإخواننا الأسرى علمتهم بسرعة طريق التحول إلى غيمة ... شربنا ماء كثيرا ...

قلنا :يا الله كن معنا ومع المساجين ... كنا عشرة جمال تحولنا إلى عشر غيمات .... سرنا مسرعين إلى السجن وبعون الله وتأييده للمظلومين عملنا غيمة كبيرة ووقفنا بين الشمس الحارقة وبين الأسرى ... فجأة وجد الأسرى أنفسهم تحت ظل ظليل يقيهم حر الشمس ... كانت قلوبهم تقول يا الله فاستجاب الله دعاءهم ... نظروا إلى السماء فوجدوها غائمة ... قالوا معا : سبحان الله ما أرحمك .!! ونحن الجمال عندما رأينا إخواننا في هذا العذاب الأليم بكت عيوننا فهطلت امطارا ... مطر في الصحراء صيفا ... هذا أمر عجيب ولكن الأسرى قالوا هذه كرامة من الله للمظلومين....

ـ وماذا فعل الصهاينة " المقاطيع" ؟! ماذا قال المدير الملعون ؟!

"هنا تدخل أبو عائشة وقال :

ـ لقد انتهى وقت المكالمة اليوم ... غدا نكمل إن شاء الله ...

ـ حاضر يا بابا ... أنا بانتظاركم بعد مغيب الشمس غدا ...

قال الجمل ...

ـ إن شاء الله ... إن شاء الله أيتها الصديقة الصغيرة ...

ـ اتفقنا أني كبيرة أيها الجمل الصبور ...

ـ نعم ... نعم أنا آسف أيتها الكبيرة ....

ـ تصبحون على خير

(4)

حدثت عائشة كل أحبابها قصة هطول المطر في صحراء النقب وفي منتصف فصل الصيف ... كان ظهر ذلك اليوم بردا وسلاما على الأسرى المظلومين ، وكان لصديقها الجمل "صبور " دور عظيم ... يسره الله للأسرى وملأ قلبه حبا ورحمة

قالت الجدة وهي تبتسم وتربت على كتف عائشة :

ـ لقد حدثني هذه القصة الأسير المحرر " باجس فارس " حيث بللته الأمطار في هذا اليوم الحار ... إنها في صيف سنة 1990م وقد شهدها عشرات الأسرى ...

ـ جدتي ... الله سبحانه يحب الأسرى ؟؟

ـ نعم (( إن الله يحب الصابرين )) يا بنتي ..

ـ أبي وأمي منهم ... الله يحبهم إذن ؟؟

" رن الهاتف ... ردت عائشة بسرعة :

ـ ألو ، مين ... بابا ... أنا أحبك يا بابا ...

ـ وأنا أحبك يا عائشة مثل ما أحب المطر والشمس والقمر ...

ـ من أكثر أنا أم الجمل ؟

ـ أنت تحبين من أكثر ؟ أنا أم الجمل ؟!

"احتارت عائشة ثم أجابت "

ـ أحبكم الاثنين أنت والجمل

ـ ها قد أتى الجمل ... تفضل يا" صبور " عائشة معك على الخط ؟؟؟

ـ السلام عليكم يا عائشة ...

ـ وعليكم السلام ورحمة الله ... أين أنت ؟ لم تقل لي ماذا فعل " المقاطيع " بعد أن رأوا المطر ...

ـ لم يصدقوا عيونهم .... وقف المدير حائرا بينما الجنود ارتخت أيديهم عن حمل أسلحة القتل .... تركوا النظر إلى الأسرى وحملقوا في السماء ... أنا بدوري تحركت من فوق الأسرى وصرت فوق الجنود ومديرهم ... تبعني بقية الجمال .... بصقت على الجنود وبصقت الجمال امتلأت أجسامهم من بصاقنا اللزج وصارت أحوالهم في ضيق شديد ... ضحكنا وضحك الأسرى ثم ما لبث مديرهم إلا وأعلن الانسحاب ثم عاد الأسرى إلى خيامهم يشكرون الله ويسبحونه ويكتبون في مذكراتهم ما جرى في هذا اليوم المشهود ...

ـ أبي ؟! ما ذا فعل ؟!

ـ أبوك كان يراني ويرى عيوني من بين الغيوم ... أبتسم ويبتسم لي ... عاد إلى خيمته بعد انتهاء هذه الآية الباهرة ... آه ... آه .... ما أكثر آيات الله ولكن الظالمين لا يرونها ...

ـ مثل هؤلاء السجانين " المقاطيع "

ـ تصوري يا عائشة ، ما هي إلا ساعتين وقد عاد السجانون ... اقتحموا السجن على حين غرة ... أرادوا أن يمسكوني قبل أن أتمكن من الفرار أو قبل أن يتمكن الأسرى من إخفائي عن أعينهم أنا لم أكن قد عدت الى السجن لأني رسمت في رأسي خطة للانتقام من مدير السجن .

ـ ماذا ... هذه قصة جديدة ...

هنا تدخل أبو عائشة وقال :

ـ لأخبرها أولا كيف اقتحموا السجن ... فجأة حيث كنا نصلي صلاة العشاء فتحوا الباب ودخلوا بأعداد كبيرة ... فتشوا الخيم خيمة خيمة ، قلبوا كل شيء فيها وجعلوها كالعهن المنفوش أو كعش العصافير الذي هاجمته أفعى وخربت بنيانه ... فتشونا واحدا واحدا وكأن أحدنا يخفي الجمل في جيوبه ... لم يجدوا الجمل وعادوا بخيبتهم من حيث أتوا ...

ـ ولم يحترموا الصلاة ؟!

ـ هؤلاء لا يحترمون أي شيء في الحياة ..... ولكنك لو رأيتهم لامتلأ قلبك فرحا ....

ـ كانوا في غاية الغضب وكنا نحن في غاية الفرح ... خاصة عندما نتذكر المطر الذي أرسله الله إلينا وقت الظهر ....

ـ والآن لأعود إلى الجمل كي يحدثني عن قصة الانتقام ...

ـ تفضل يا " صبور " معك دقيقة واحدة ...

ـ أقل من دقيقة ... عرفت سيارة مدير السجن ، لونها ونوعها ... ثم انتظرته خارج السجن على الطريق العام .... عند ملتقى الطريق الفرعي الذي يصل السجن بالطريق الرئيسي وقفت له معترضا طريقه في منتصف الطريق ...

عندما رآني دب الرعب في قلبه ... رأى شبحا كبيرا يقف أمام سيارته ,,, أنا صحيح صبور وأحب الصبر يا عائشة ولكني أمام الظلم أغضب غضبا شديدا ...

ـ كسرت زجاج السيارة الأمامي ثم وضعت رقبته بين أسناني ... أخرجته من السيارة ورفعته عاليا ثم ضربته بالأرض ... أراد أن يسحب سلاحه المعلق على وسطه كان مسدسا يستطيع من خلاله أن يطلق النار فيقتلني كما قتل كثيرا من الفلسطينيين في حياته الطويلة والحافلة بالإجرام .... ولكن ساعة الانتقام من الظالم قد أتت ... وقضمت يديه بين أسناني قبل أن تصل المسدس .... سحقتها ثم رفعته عاليا مرة ثانية ثم ألقيته بعيدا حيث ارتطم بجذع نخلة كانت تود أن تشارك في الانتقام ... لفظ أنفاسه ومات ثم دفعت سيارته ، وقلبتها عليه ... عدت ليلا لأدخل عند الأسرى وأبشر أبيك بالخبر ...

"قال أبو عائشة "

ـ وقرأنا في الصحيفة صباحا خبر موت مدير السجن في حادث سير

لم يعد لدينا وقت يا عائشة ..... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

وعليك السلام ... تصبح على خير أيها الصديق العزيز ...يا جملي الصبور ...

(5)

كانت عائشة في اليوم التالي في غاية البهجة والسرور .... وكان الأطفال من حولها محتارين في أمرها ... أبوها وأمها في السجن ومع ذلك فإنها تضحك وتلعب وتمرح ... ما هو السر ؟! وكانت لها ابنة عم ، عمرها مثل عمر عائشة اسمها "دعاء " ... عندما كانت تغضب منها "دعاء " كانت تقول لها أنت أمك في السجن ... أنت يا عائشة أبوك في السجن ... كانت عائشة تضحك وتقول 

ـ أنا لي جمل صديق اسمه "صبور " ... أتحدث معه كل يوم .... يحكي لي حكايات جميلة ... أنت يا "دعاء" لا يوجد لك جمل صديق ....

تسكت " دعاء" ثم ترجو عائشة أن تحكي لها حكايا الجمل .......

وعائشة اليوم تحدثت طويلا عن بطولات صديقها الجمل .... كيف كان المطر في صحراء النقب ... وكيف (خرج الجمل عن صبره ) وانتقم من مدير السجن ... كانت عائشة فخورة بأبيها وأمها لأنهم لا يحبون الظلم والظالمين ومقدار ما كرهت السجانين الظالمين أحبت الأسرى المظلومين ... وكانت تحب الجمل لأنه وقف مع المظلومين ضد الظالمين ....

بعد سفر طويل للشمس الجميلة منذ شروقها إلى غروبها رأت عائشة الشفق الأحمر يلوح في الأفق ... اقتربت من الهاتف فهي الآن على موعد مع حبيبها الجمل ....

ـ ألو ... صديقي الجمل ...

ـ أنا بابا يا عائشة ... كيف حالك حبيبتي ؟!

ـ مبسوطة ، بخير والحمد الله ...إذا سمحت أعطني الجمل

ـ ها هو ذا تفضلي ... آسف على التأخير ....

ـ أنا فخورة بك أيها الجمل العظيم ...

ـ لا .. لا تقولي هذا ... العظمة لله وحده ... ما أنا إلا عبد لله ، أحب الله وأكره الظلم .

ـ لذلك فإنك مع المظلومين ضد الظالمين ...

ـ المهم يا سيدتي .. انتشر خبر موت مدير السجن تحدث السجانون عن القصة ... قالوا إن سبب الحادث هو جمل وقف في طريق المدير .... هرب المدير بسيارته المسرعة من الجمل .... فاصطدم بنخلة طويلة ... تحطمت السيارة فوق رأسه ومات .

وتذكر السجانون ذاك الجمل الذي كان مع الأسرى داخل السجن ثم تحول إلى غيمة وطار في السماء

ـ إذا أصبحوا يخافون من الجمال .

ـ هو ذاك ... يرتعدون خوفا كلما ذكر أحدهم كلمة جمل على لسانه .

ـ الله أكبر ... الله أكبر .

ـ أنا بدوري صرت أصل إلى السجن بعد المغرب ثم أغادره في الصباح ... أسهر مع أحبابي الأسرى ... أسمع منهم ثم أفكر في مساعدتهم ....

ـ كيف تستطيع مساعدتهم والسجانون إذا رأوك قد يقتلونك ويطلقون عليك النار ؟!

ـ تذكري بأنهم يخافون مني .... ولا بد من التضحية .... اسمعي لأحكي لك ما فعلت ... قال لي أبوك إن أهالي الأسرى قد أحضروا معهم كتبا وملابس لأبنائهم الأسرى ... ورفضوا إدخالها وتركوها على باب السجن ...قال لي أبوك بأن أهم شيء عند الأسرى هو الكتب ... إنها أهم عندهم من الملابس وأهم من الأكل ... الأكل غذاء البطون أما الكتب فهي غذاء العقول .... عندك: ما الأهم يا عائشة ؟!

ـ غذاء البطون أهم ....

ـ أما عند الأسرى فغذاء العقول هو الأهم ... أنت حرة برأيك وهم أحرار برأيهم ... المهم أنا فكرت في طريقة لإدخال الكتب والملابس إلى السجن ...

ـ كيف ؟! ماذا فعلت أيها الجمل الذكي ؟!

ـ إستعنت بالله ثم تحولت إلى غيمة وتسللت إلى الغرفة التي ينام فيها الضابط السجان والمسؤول عن الأشياء التي يدخلها أهل الأسرى إلى أبنائهم داخل السجن.... وهناك في غرفته عدت إلى شكلي الحقيقي .... الجمل الضخم ... وكان هذا الضابط يغط في نومه ... هززت كتفه بيدي .... فتح عينيه وقال ... أنا أحلم ؟ أنا صاح ؟ قلت له يا حبيب أمك أنت تحلم وإلا كيف يدخل جمل ضخم مثلي من باب هذه الغرفة الصغيرة ؟ فرك عينيه ولم يصدق .... قلت له والغضب يتطاير من بين أسناني : اسمع غدا أدخل الكتب والملابس للأسرى وإلا لا تلومن إلا نفسك ... لا تنس ما جرى لمدير السجن قبل أيام ... أفهمت ؟ 

تركته تحت وقع الصدمة ثم تحولت إلى غيمة وخرجت من النافذة نحو السماء .... عدت إلى الأسرى وبشرتهم ...."غدا ستدخل الكتب والملابس "

ـ وهل دخلت

ـ اسألي أباك.... "قال أبو عائشة ".......

ـ نعم .. دخلت جميعها، وها هم الأسرى يقرؤون فيها مما لذ وطاب

 "تابع الجمل" ....

ـ وقد فعلت نفس الشيء مع المسؤول عند إدخال المواد الغذائية ... هذا لم يصدق نفسه بأنه في اليقظة لا في المنام .... حدث في الصباح ما رأى في المنام ... قالوا له : احذر.. هذا الجمل حقيقي وليس مناما ... إرتعد من الخوف وهو الآن في حالة خوف شديد .. لا تغيب عنه صورة الجمل المخيف للحظة واحدة .... ويتذكر ما قلته له كلمة كلمة : " لا تلومن إلا نفسك " إياك أن تنس ما جرى لمدير السجن قبل أيام ...

 

قال أبو عائشة ...

ـ إذا سوف يتحسن الطعام في السجن ....

ـ نعم سوف ترون الفاكهة والخضروات واللحوم بإذن الله وإلا سيكون مصيره هو مصير مدير السجن قاتله الله ...

ـ يا لك من بطل رائع أيها الجمل الصبور ....

ـ انتهت المكالمة يا جماعة ... عندي اجتماع الآن .... الأسرى يفكرون بخوض إضراب عن الطعام من أجل تحسين أوضاعهم .... ما رأيك أن تحضر معي الاجتماع ..

قال الجمل :

ـ لا ...أنا أساعدكم بإذن الله بطريقتي الخاصة ....

ـ مع السلامة يا عائشة ...

ـ أنا أسعد إنسانة ... لسماع هذه الأخبار ... مع السلامة يا بابا مع السلامة صديقي الجمل الصبور ....

(6)

انتظرت عائشة رنين الهاتف في اليوم التالي ... لم يرن الهاتف ... بقي صامتا جامدا كالصخر ... قلقت عائشة على أبيها وعلى الأسرى .... وعلى الجمل أيضا ... تذكرت أن أباها قد قال لها إن الأسرى يفكرون بالإضراب المفتوح عن الطعام .... عائشة تعلم كم أن هذا الإضراب صعبا .... يمتنع المضربون عن الأكل في الليل والنهار .... ولأيام طويلة ... الإضراب سلاح الأسرى الذي يحققون به من السجانين " المقاطيع " ما يريدون ... والأسرى يريدون أن يعيشوا بكرامة ... أن يعالج المرضى ، تحسين الطعام ، إدخال الكتب والسماح بالدراسة والصلاة ومعاملة الأهل عند الزيارة باحترام وبما يليق ببني الإنسان .

في اليوم التالي سمعت عائشة عن إضراب الأسرى في كل السجون ... أخذت مع جدتها تدعو الله أن ينصر الأسرى الكرام على أعدائهم اللئام .

إنتشرت المظاهرات في المدن الفلسطينية دعما للأسرى ووقوفا معهم في إضرابهم ... صارت عائشة وجدتها وعمتها وعمها يشاركون في المظاهرات ... كانت عائشة نجمة لامعة وسط الناس وهم يهتفون ويرفعون صوتهم عاليا من أجل رفع الظلم عن الأسرى المظلومين .... وكان المصورون والصحفيون يلتمّون حول عائشة لأنها كانت ذكية وتنظر بعيون قوية كعيون الصقر وتتحدث بطلاقة ، يا رب انصر الأسرى ... اهزم السجانين الصهاينة ... وحطم السجون والقيود .... يسألها الصحفيون ... لماذا يضرب الأسرى؟؟ ...فتقول .... لأنهم مظلومون ... ماذا يريدون ؟ فتجيب .... الحرية والكرامة .

ومضت عشرون يوما وعائشة في النهار مع المظاهرات وبعد المغرب تنتظر رنين الهاتف ... اشتاقت شوقا عظيما لسماع صوت أبيها والجمل الصبور أيضا ... كل يوم تسأل جدتها أكثر من مائة مرة ... متى سينتهي الإضراب ....فتجيبها جدتها بكلمتين لا ثالث لهما : عندما ينتصرون .. فتبتسم عائشة فتقول لجدتها : هؤلاء الأسرى أنا أعرفهم جيدا لا يعرفون إلا الانتصار أو الشهادة .

في اليوم الواحد والعشرين رفعت عائشة سماعة الهاتف لتسمع صوت أبيها ....

ـ حبيبتي عائشة ... كيف حالك يا بابا ؟!

ـ حبيبي بابا أخبرني ما ذا جرى ؟!

ـ لقد انتصرنا يا عائشة ... الحمد الله حققنا أغلب مطالبنا : سيعالج المرضى ، ستدخل الكتب ، ويسمح بالدراسة ، وستقام صلاة الجمعة جماعة كما نريد و ...

ـ مبروك ... هنيئا لكم ... ولكن ماذا عن صديقي الجمل الصبور ....

ـ لقد كان له دور عظيم في إنجاح الإضراب .... بداية أبى إلا أن يضرب معنا ثم حل لنا مشكلة كبيرة وهي عملية توصيل الرسائل إلى السجون الأخرى كي يكون الإضراب لكل الأسرى صفا واحدا .. لقد كانت وحدتنا هذه هي سر نجاحنا ...

ـ كيف نقل الرسائل هل هو " ساعي بريد " ؟!

ـ كان ساعيا للبريد وأكثر ... ها هو يريد أن يتحدث إليك ، قل لها يا صبور ما فعلت في الإضراب ؟! ولكن قبل أن أعطيك إياه أهمس في أذنك همسة : لولا الجمل الصبور لما أنتصرنا في هذا الإضراب .

ـ ألو ... أنا مشتاق إليك يا عائشة ...متأسف لأننا كنا مشغولين في الإضراب .

ـ كيف حالك أيها الجمل الصبور ... أنت بطل الإضراب ... صانع الانتصارات

ـ لم أفعل سوى واجبي مع المظلومين .

ـ قل لي ما فعلت .... هات القصة من أولها إلى آخرها .

ـ حسنا ... كانت هناك مشكلة في إيصال الرسائل بين السجون من أجل توحيد الإضراب ووقوف بقية الأسرى في كل السجون وقفة واحدة ..... أنا أخذت الرسائل ثم طرت في السماء ... إجتمعت إلى معشر الجمال لأن السجون كثيرة وذهابي أنا وحدي سوف يأخذ وقتا طويلا ...

لذلك أعطيت كل جمل رسالة ليذهب إلى سجن واحد ، ثم ينتظرهم حتى يكتبوا ردهم ، ثم يعيدها معه .. كان أحدهم بسرعة يتحول إلى غيمة ثم يسابق الريح باتجاه السجن المقصود .... أما أنا فقد اخترت أن أذهب إلى سجن .... ؟ ماذا تتوقعين يا عائشة ؟!

فكرت عائشة هنيهة ثم أجابت :

ـ أتوقع سجن أمي ..؟؟

ـ نعم ..نعم هو ذاك سافرت لمرتين قاطعا لسماء فلسطين من الجنوب إلى الشمال سرت مسافة ثلاثمائة كيلو مترا .. ثلاث ساعات وأنا طائر في السماء . انتقلت إلى مكان أجمل ... وكنت كلما اتجهت شمالا يتحول لون الأرض من الأصفر إلى الأخضر الشجري حيث أشجار البرتقال والجنات المزروعات ...

ـ قل لي كيف فاجأت أمي ؟؟ هل نزلت في ساحة السجن ؟؟ أنا أعرفها لأني عشت فيها ... كيف نزلت ؟! سقف الساحة شبك حديدي !!

ـ تعلمين أني أكون غيمة في السماء ... نزلت من بين مربعات الحديد ... حتى أذا صرت على أرض ساحة السجن ، دعوت الله كما أفعل دائما فعدت إلى صورتي الحقيقية ... جمل جميل كما تعلمين ... إلتفّت الأسيرات من حولي ... فرحن فرحا عظيما ....

جاءت أمك لتمسح رقبتي بلطف وحنان وتقول للأسيرات : هذا الجمل هو صديق ابنتي عائشة .... لقد كانت تحدثني عن مكالماتها معه عندما تزورني .... وقلت لهن : يا معشر الأسيرات المحترمات ..أخوتكم الأسرى ينوون الإضراب عن الطعام .. هاهي رسالتهم ... أعطوني ردكم بأسرع وقت قبل أن يراني السجانون اللئام ... أخذت أمك مني الرسالة ... غابت قليلا ثم عادت برسالة الرد قالت لي : على بركة الله أيها الجمل البطل الصبور .

فجأة أطلقت صفارات الإنذار ... هجمت عشرات السجانات على ساحة السجن يردن إلقاء القبض علي .... ذهبت إلى الماء فورا ...شربت الكمية المطلوبة ثم صرت غيمة تطير عاليا في السماء ... الأسيرات المظلومات قلن : سبحان الله وركعن ساجدات . أما السجانات فسألن : أين ذهب الجمل ؟!

حضرت مديرة السجن ، قلن لها عن الجمل الذي رأينه ... فقالت : أنتن مجنونات مسطولات ... كيف يدخل الجمل من هذا الباب الصغير وهو حيوان كبير ... لا شك بأنكن كنتن تحلمن وأنتن نائمات .

ـ ماذا قالت لك أمك عني ؟!

ـ إنها تحبك حبا عظيما وتهديك أجمل السلامات .... كل الأسيرات : قلن لي بصوت واحد ... يا جمل الأميرة عائشة ... هنيئا لك حبها وكلماتها الساحرة ...

ثم إني يا عائشة ، طيلة فترة الإضراب وأنا أتنقل بين السجون وأنقل لهم الرسائل ، ولذلك فقد كنت أقوم بشيء آخر ... أتسلل ليلا إلى غرف المسئولين ، في عصابة السجانين وأعمل لهم كوابيس كتلك التي عملتها مع ضابط سجن النقب ...

قال أبو عائشة :

ـ وكان لهذا أثر عظيم في قذف الرعب في قلوبهم وتحقيق نصر الله لنا ...

الآن طالت المكالمة وزادت عن الحد المسموح ... أرجو المعذرة ... غدا تكملون ...

ـ أنا بانتظارك أيها الجمل البطل ...

ـ لا تقولي البطل ... فقط ... صبور ... أنا لم أقم إلا بواجبي ... آه .... انتهى الوقت ... جاهزة السلام عليكم ورحمة الله

ـ وعليكم السلام أيها الجمل الصبور ....

يتبع في العدد القادم بمشيئة الله




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2012                    

www.al-fateh.net