العدد 263 - 01/03/2014

ـ

ـ

ـ

 

بقلم : رضا سالم الصامت

يحكى قديما ، أن هناك أسد ضخم جميل، ذو جلد ناعم وفرو بني اللون ضارب إلى الصفرة، كان يعيش في غابة كثيفة الأشجار مع مجموعة من الحيوانات ، و في كل مرة يصطاد حيوانا كالغزال أو الثعلب فيأكله .

تألمت بقية الحيوانات و أصابها الفزع و أصبح الكل يعيش مع هذا الأسد في خوف مستمر ماعدا مجموعة من القردة كانوا يتباهون بذكائهم لأنهم يعيشون فوق أغصان الأشجار و لا يقدر هذا الأسد الإمساك بهم و اصطيادهم و إيذاءهم.

كبر الأسد نيرون و أصبح طاعنا في السن ،و لم يعد يقدر على اصطياد أي حيوان في الغابة ، فالتجأ إلى العيش وحيدا في مغارة  حفظا لماء الوجه و ما لحقه من إهانة لدى الحيوانات الأخرى ، حيث أصبح بسبب عجزه محل تهكم و سخرية رغم انه ملك الغابة فحز في نفسه و قرر العيش بعيدا عنهم .

فرحت كل الحيوانات و أصبحوا يعيشون في سلام و أمان بلا خوف من شره ، ماعدا قرد وحيد يدعى سرون ظل على عهده يحترم ملك غابته الأسد نيرون و يحن إليه و يجلب له من حين لآخر طعاما .

سعد الأسد نيرون عندما رأى القرد سرون يدق باب بيته و هو في المغارة ، و أذن له بالدخول.

 تقدم القرد سرون نحوه و قال : يا ملك غابتنا ، نحن معشر القردة باقون على العهد نحترمك لأنك لم تضر أحدا منا و اليوم و قد هرمت فإننا رغم ذلك لا نسمح لأنفسنا بأن نقلل من احترامنا لك ، لذلك جئت أحمل طعاما لك فهل تقبل ؟

رد عليه الأسد مبتهجا : شكرا لك أيها القرد سرون ، لقد  قبلت ، لأني منذ مدة لم أجد أي شيء آكله ، فكما ترى لقد أصبحت طاعنا في السن و لم أعد أقدر على اصطياد و لو قطة . إنك حقا نعم الوفي و هكذا الأصدقاء تعرف وقت الشدة .

 ضحك القرد سرون و قدم لصديقه الأسد العجوز الطعام و قال : صحيح أن هذا طعام قليل، و لا يكفي لملك غابتنا ،و لكن سأفعل المستحيل لأجلب لك المزيد من الطعام في المستقبل ،فأنت أسد مهاب و ستظل دائما مهابا .

أكل الأسد الطعام الذي قدمه له القرد سرون ثم بقي يفكر بينه و بين نفسه و قال : لو أكلت القرد سرون من سيجلب لي الطعام .. سأحافظ على صداقته لي لكي أعيش ما تبقى لي من عمر.

كان القرد سرون في كل يوم يأتي له بالطعام و كان الأسد نيرون يأكل و هو سعيد بصديقه القرد .. و بعد الانتهاء من الأكل نظر لسرون و قال له : أيها القرد لماذا لا تقترب مني أكثر فأنت الآن صديق حميم لي ؟

خاف القرد و اضطرب و قال : و كيف لي أن اقترب منك و أنت مازلت أسدا متوحشا ؟

قال الأسد نيرون : أتخاف مني ، و أنا صرت عجوزا

رد عليه سرون القرد : هذا شأنك يا ملك الغابة ، و لكني كقرد أفضل أن أكون بعيدا عنك، و لا أسمح لنفسي بالاقتراب منك ما دمت حيا ، فقد تأكلني و تترك الطعام الذي أجلبه لك .

ابتسم الأسد نيرون و همهم ثم قال : يا لك من أحمق ، أتخاف مني و أنا قد هرمت و أصبحت عاجزا هههههه ثم كيف لي أن آكل صديقا وفيا يفكر في لقمة عيشي ؟

ابتسم القرد و قال : لا يمكن أن أثق فيك يا صديقي، فأرجو أن لا تغضب مني

رد عليه نيرون : و لكن ، لماذا لا تثق في ؟ و أنت صديقي

قال القرد سرون : لأنك أســد

ظن سرون القرد أن الأسد نيرون ما يزال على عادته السيئة يريد إيذائه ، فخاف و لم يعد يجلب له الطعام

طالت المدة فغضب الأسد و احتار و قال في نفسه ترى ماذا جرى لصديقي سرون؟ انه لم يعد يجلب لي طعاما فخرج من مغارته ، و أخذ يبحث عنه في كل مكان بالغابة و أخيرا وجده على شجرة.

 في الأثناء كان الثعلب " قرون " يراقبهما فسمع ما دار بينهما من حديث ،و قرر الثعلب إيذاء القرد ، و أسرع إلى مغارة الأسد و اختبأ هناك ينتظر مجيء القرد لصديقه الأسد نيرون.

كان الأسد يتحدث مع صديقه القرد سرون و كان الثعلب قرون ينصت لما قاله الأسد .

 إني أعطيتك الأمان يا صديقي القرد، سأنتظرك بمغارتي و أرجو أن تجلب لي طعاما فاني على وشك أن أهلك بسبب الجوع .

ذهب الثعلب قرون الماكر إلى المغارة أين يوجد الأسد نيرون ، و اختبأ في مكان ينتظر مجيء القرد سرون و فور وصوله انقض الثعلب على القرد على حين غفلة ، و افتك منه الطعام و اندلعت معركة بين الثعلب و القرد .

 كان الثعلب يظن أن الأسد لم يعد قويا و أنه سيكون عاجزا لو هاجم القرد ، لكن ظنه لم يكن في محله ، فعندما سمع الأسد أن صديقه القرد يواجه معركة شرسة مع الثعلب وثب عليه و شل حركته و افتك منه القرد سرون و واصل الأسد العجوز إلى أن قضى على الثعلب الماكر و جعله وجبة شهية له و نال جزاءه .

و هكذا يا أصدقائي الصغار عرف القرد سرون أن صديقه الأسد نيرون كان قمة في الوفاء و الإخلاص رغم أن الأسد كحيوان متوحش وهو رمز للقوة والبأس والسيادة ، و قوي ، تميز بالوفاء بالعهد و هو شرفٌ يحمله كل كائن حي على عاتقه و قيمة أخلاقية عظمى ، بها تُدعم الثقة بين الأفراد ، وتؤكد أواصر التعاون في المجتمع ، وهذا أصل الصدق وعنوان الاستقامة




محرك بحث مجلة الفاتح

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2014                    

www.al-fateh.net