العدد 265 - 01/04/2014

ـ

ـ

ـ

 

(5)

قصة : المداني عدادي

رسم : عماد يونس

لم يغمض له جفن بعد.. بل ما زال مفكراً في كلام العمة "لولى" (البومة)، الذي يبدو له كالألغاز والأحاجي. أبواه استسلما لنوم عميق، من جراء سفرهم الشاق الطويل. كان الوقت يمر ثقيلاً مع الصمت، حتى عادت العمة "لولى" تحمل بين مخالبها فريستها المفضلة، فقهقهت مداعبة:

- يا لك من ولد حذر، أومازلت مستيقظاً؟!

- نعم، ولم أستطع النوم..

- إذن، تعال وشاركني طعامي..

فأخرج لسانه دلالة على الامتعاض، فقهقهت العمة "لولى" حتى أيقظت والديه:

- يا لك من طفل مدلل! ومع ذلك تريد الهجرة إلى بني البشر؟!

- وما دخل بني البشر؟!

- ستسقط أسير أحد صبيانهم، بمجرد وصولك إليهم..

فرد منزعجاً:

- ماذا تقولين؟!

- أنت لا تدري يا بني كم هم أشقياء!!

تنحنح الأب مقاطعاً:

- ومع ذلك ففيهم النبلاء الطيبون يا عمة..

فردت مصممة على موقفها:

- إنهم قليلون.. قليلون.. والأشرار بعدد الأحجار.. يا أبا طير..

فنط الصغير أمامها سائلاً:

- وما دليلك يا خالة؟!

فابتسمت ثم اعتدلت واقفة، متكئة على عكازها كخطيب، وشرعت تقول:

- .. إن هذا الإنسان الطيب، يا ولدي، ما فتئ يبحث ليل نهار، من أجل إسعاد أبنائه، وجلب قوت عياله.. لكنه نسي، أو تناسى، بأنه قد سبب الأذى والشقاء لغيره، بسبب كسب سعادته، وقد ينسى تماماً، في بعض الأحيان، حتى يظن أنه وحده فوق هذه الأرض؛ الأرض التي خلقها الله للأنام، وقسم فيها لكل مخلوق رزقه.. فكما للإنسان الحق في العيش الهنيء، والأمن على وجه الأرض، كذلك نفس الحق للحيوانات، والطيور والحشرات.. فما خلقها الله سبحانه باطلاً، أو عبثاً دون جدوى!! بل لها نفس دور الإنسان، وربما أكثر..

فتثاءبت الأم، متثاقلة:

- لكن الإنسان كرمه الله على كل مخلوقاته؟!

- ليس هذا ما أعنيه، وإنما أقصد أننا نعمر الأرض مثله، ونزين الوجود مثله، ونقيه شر الحشرات.. ونسعى لخدمته.. بل ونسبح الله مثله..

فهز الأب رأسه مستحسناً:

- هذا صحيح..

فسرها إعجابه بكلامها، فنفشت ريشها منتشية، ثم استمرت في الكلام:

- .. على الأقل أن الإنسان وحده، هو الذي يسبب مشاكله، ويصنع شقاءه بكلتا يديه، أما الحيوان –فكما خلقه الله منذ بدء الخليقة- ما زال في سلامه وبساطته.. هل سمعتم يوماً، بأن حيواناً صنع سلاحاً مدمراً، له ولبني جلدته، كالإنسان؟! هل سمعتم يوماً، حرباً طاحنة ومدمرة، دارت بين الحيوانات، وأتت على الأخضر واليابس؟! هل سمعتم فعلاً، أو رأيتم حيواناً يخطط، ويدبر صباح مساء، من أجل تدمير أخيه.. صحيح أن لنا قانوناً معيناً، قدره الله لنا.. لكننا لا نتجاوزه –بأي حال من الأحوال- لا غل فيها ولا حقد.. لا طمع ولا حسد، وإن كان هناك شيء فبقدر الحاجة التي خلقها الله في خلقه. فليس لنا عدو سوى الجوع.. ولو كان لنا عدو غيره، لكان الإنسان، لأنه هو الذي حرمنا حقّنا في الوجود، وقلصه حتى عادت حياتنا صغيرة صغيرة.. لا تعدو أن تكون مجرد أقفاص وحدائق.. نهان فيها ونذل.. حتى أقواتنا التي خلق الله لنا، حرمنا منها، وحيل بيننا وبينها. أوليس هذا هو الظلم بعينه؟! تجرى علينا التجارب، وتبنى لنا الفخاخ والمصائد.. لم يعد لنا أمان بين بني الإنسان، نحن نفرّ منهم، وهم يلاحقوننا.. نزين لهم الحياة، فيذيقوننا طعم الموت.. فمنهم من يقتل حيواناً من أجل أنيابه "كالفيلة"، ومنهم من يقتله من أجل ريشه؛ "كالطاووس"، ومنهم من يقتله من أجل فروه "كالدببة" و"الثعالب"، ومنهم من يسجنه من أجل صوته "كالبلبل".. ومنهم من يصيده للدواء، وآخر للسحر والشعوذة.. بل هناك من يصيده فقط للتسلية..

فارتعش الطائر الصغير، وهو يلف جسمه النحيف بجناحيه:

- أكلّ هذا من بني البشر يا عمتاه؟!

- بل هناك المزيد..

فقاطعها الأب على الفور، مخاطباً الصغير:

- يبدو أننا سنهاجر بدونك هذه المرة يا ولدي، فقد خلب لبّك حديث العمة "لولى" عن بني البشر..

فقفز الصغير برشاقة متحدياً:

- بل إنني في أتمّ الاستعداد لذلك، وما زادني حديث العمة "لولى" إلا شوقاً لملاقاة هذا الإنسان، الشرير اللطيف..

فانبرت العمة "لولى" مغمغمة:

- هيه! مغرور مثل أبيه!!

ثم أغمضت عينيها الواسعتين كبرتقالتين، فسال منهما دمع غزير.. في الحقيقة، هي لا تمانع هجرتهم، بسبب خطورة بني البشر فحسب، وإنما هي تخشى فراقهم إلى الأبد، فمن سيزورها بعدهم، إذا غابوا وارتحلوا؟!

فهم الأب مشاعرها، وتنحنح مخففاً آلامها:

- كفاك حزناً أيتها الصديقة الوفية، فما هي إلا أيام معدودات، ثم نعود أدراجنا –كما تعلمين- وسنتقابل مرة أخرى بحول الله..

نفضت العمة "لولى" ريشها وهي تقول:

- بل كم من طائر ذهب دون رجعة، يا أبا طير!!

فاقتربت الأم منها دامعة:

- الأعمار بيد الله يا خالة.. ولا تدري نفس بأي أرض تموت.. فادعي الله لنا بالسلامة في الذهاب والإياب..

ثم تثاءبت العمة "لولى" وقالت:

- رافقتكم السلامة، يا أبا طير.. ولكن احذروا أن توقظوني صباحاً فأنا بحاجة إلى النوم.. هيه؟!

فانبهر الصغير معقباً:

- يا لك من نؤومة، ألا تشهدين شروق الشمس الجميل؟!

فوضعت منقارها فوق منقاره الصغير، ثم أجابت:

- يا لك من كسول نؤوم، أولا تشهد طلوع البدر المنير، في ليلة صافية جميلة كهذه؟!

فتضاحك الجميع، ثم غطواً في نوم هادئ حتى الصباح.




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2014                    

www.al-fateh.net