العدد 273 - 01/08/2014

ـ

ـ

ـ

 

-1-

شاهد مجموعة من الصيادين دباً كبيراً، وطاردوه، وأصابه أحدهم بطلقة غير قاتلة، ويضل الصيادون طريقهم، ويسقط أحدهم من الجبل.

قال الصياد العجوز بغضب:

- ضاع الدب، وانتهت المطاردة، فقد طار الدبُّ ملك المهرجين.

وقال الصياد الأول: هذا ليس دباً.. هذا شيطان.

وقال الثاني: بل هو دبٌّ نفّاث.

وانطلق الصيادون على امتداد الخندق، وقد خففوا من أحزانهم بعض الشيء، وتشممت الكلاب الرائحة المعروفة للدب، وهي تنبح وتشير إلى الآثار التي يجب أن يتبعها الصيادون.

أما (الدبّ) فقد قفز قفزة ماهرة من الشجرة إلى الخندق، ثم اجتاز بهدوء، مرجاً واسعاً وهو يسحب ساقه الجريحة بصعوبة، ثم أحس بالجوع، لأنه لم يذق من الطعام إلا بعض الزبيبات، في هذه المطاردة الشاقة، وشعر بالنهاية القريبة، ولكنه يصر على مراقبة الموقف بصمت وهدوء، حتى آخر طلقة من بنادق الصيّادين، أو آخر رفسة يرفسها هو.

وفجأة، أحسّ الدبّ بخفقة جناح، تبعتها صرخة، فأدار رأسه، ليرى صديقه الحميم النسر وقد جاءه لينضم إليه أخيراً.

قال النسر:

- بحثت عنك طويلاً. أين كنت أمس يا صديقي الدب؟

أجاب الدب:

- ضعت في الجبل، وكدت أموت عند سفح إحدى الثلاجات.. انظر.. لقد جُرحت.

فقال له صديقه النسر:

- تبقى متهوراً دائماً، كما عهدتك يا صديقي العزيز.

قال الدب:

- أنا جائع، والصيادون يترصدونني.

قال النسر:

- حسناً.. اتبعني فقد اصطدت قبل قليل أرنباً أبيض.

وقدّم النسر صيده المتواضع للدب، فالتهمه في لقمة واحدة، تاركاً الرأس للنسر الذي راح يقشره بمهارة، ويأكله بهدوء.

شعر الدبّ ببعض الرضا والنشاط، ثم راح يركض متتبعاً إرشادات صديقه النسر الذي كان يطير فوقه مباشرةً.

وفجأة ظهر الصيادون وتقدموا نحو الدب الجريح وقد تضاعف نشاطهم، ومروا بالمكان الذي التهم فيه الدب الأرنب مع صديقه النسر، وهاجت الكلاب وهي تتشمم رائحة الطريدة، ولكن تساقط المطر والثلج أعاق تقدم الصيادين، لكنهم واصلوا سيرهم، وخرجوا من الغابة، وشاهدوا كتلة بنّية تتدحرج فوق الصخور الجرداء، فصرخ أحد الصيادين:

- علينا أن نلحق به بسرعة قبل أن يهبط الظلام.

وبدأوا ينحدرون، بينما كان الدب يجتاز القمة، ويختفي عن أنظارهم، وتابع الصياد العجوز:

- يحاول هذا الدب الوصول إلى وكره على بعد عدة كيلو مترات جنوباً، وهو في مكان حصين، لذا يجب أن نمنعه من الوصول إليه.

سار الصيادون على امتداد النهر ثم أمرهم العجوز بصعود الجبل، فراحوا يصعدون بعناء شديد بين أشجار البلوط والسّرو، وهم يقفزون من صخرة إلى صخرة مثل ظباء الجبال، حتى وصلوا إلى غابة جميلة فحطوا رحالهم ليستريحوا.

قال الصياد العجوز موجهاً كلامه للصيادين الثلاثة:

- لا تتهاونوا.. فما بقي أمامنا هو الأصعب، أنتم تبقون هنا، ولتكن المسافة بين الواحد والآخر ثلاثين متراً، لتتمكنوا من حماية بعضكم البعض، الدب سوف يتجه نحونا، وسوف تشاهدونه أمامكم، أما أنتما يا صديقي وأنا فسنكون على بعد ثلاث مئة متر منكم، فقد يغير الدب طريقه.. دعوه يقترب.. ولكن ليس إلى أقل من خمسين متراً، فالدب الجريح يكون شرساً جداً، وقد يخاطر ويهاجمكم بعنف.

ثم مضى الصياد العجوز مع صاحبيه وكلابه، واختفوا وراء الأشجار الضخمة.

بدأ المطر يتساقط مختلطاً بندف الثلج، وراح الصيادون المبتلون حتى العظم، يحملقون أمامهم، فيما كان الدب مختبئاً تحت صخرة، منتظراً توقف المطر والثلج، ليستأنف سيره من جديد، في خوف وشبه يأس من النجاة.

وحين توقف المطر الثلجي، تحرك الدب بقوة يسوقه شوق عارم إلى أن يصل بأقصى سرعة إلى دفء مغارته، في أقصى أعماق الجبل.

البقية في العدد القادم بمشيئة الله....




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2014                    

www.al-fateh.net