العدد 289 - 01/04/2015

ـ

ـ

ـ

 

رحم الله " جحا " كم من الملايين أضحك على مدى قرون ، وكم من الملايين طرد عنها الحزن والأسى بحكاياته الطريفة المضحكة خلال أكثر من الف عام ؟

" جحا " هذا ، هو أبو الغصن دُجين الفزاري الذي عاش نصف حياته في القرن الأول الهجري ونصفها الآخر في القرن الثاني ، فعاصر الدولة الأموية وبقي حياً حتى خلافة المهدي العباسي ، وقضى أكثر سنوات حياته التي تزيد على التسعين عاماً في الكوفة .

اختلف فيه الرواة والمؤرخون ، فتصوره البعض مجنوناً وقال البعض الآخر إنه مجرد مغفل وأحمق .

ولكن بعض المؤرخين أنكروا ذلك وقالوا إنه رجل بكامل عقله ووعيه وإنه يتحامق ويدعي الغفلة ليستطيع عرض آرائه النقدية والسخرية من الحكام بحرية تامة .

وما إن شاعت حكاياته المرحة وقصصه الطريفة حتى تهافتت عليه الشعوب ، فكل شعب وكل أمة على صلة بالدولة الإسلامية صمّمت لها " جحا " خاصاً بها بتحوير الأصل العربي بما يتلائم مع طبيعة تلك الأمة وظروف الحياة الاجتماعية فيها . ومع أن الأسماء تختلف وشكل الحكايات ربما يختلف أيضاً ، ولكن شخصية " جحا " المغفّل الأحمق وحماره هي هي لم تتغير ، بل إنك تجد الطرائق الواردة في كتاب " نوادر جحا " المذكور في فهرست ابن النديم (377 هـ) هي نفسها لم يختلف فيها غير أسماء المدن والملوك وتاريخ وقوع الحكاية ، فجحا العربي عاش في القرن الأول الهجري واشتهرت حكاياته في القرنين الثاني والثالث ، وفي القرون التي تلت ذلك أصبح " جحا " وحكاياته الظريفة على كل لسان ، وقد ألفت مئات الحكايات المضحكة ونسبت إليه بعد ذلك ، ويبدو أن الأمم الأخرى استهوتها فكرة وجود شخصية ظريفة مضحكة في أدبها الشعبي لنقد الحكام والسخرية من الطغاة والظالمين ، فنقلت فكرة " جحا العربي " إلى آدابها مباشرة ،وهكذا نجد شخصية " نصر الدين خوجة " في تركيا و " ملاّ نصر الدين " في إيران و " غابروفو " جحا بلغاريا المحبوب و" أرتين " جحا أرمينية صاحب اللسان السليط و"آرو " جحا يوغسلافيا المغفّل وبعودة بسيطة إلى التاريخ تكتشف أن كل هذه الشخصيات في تلك الأمم قد ولدت واشتهرت في القرون المتأخرة ـ وهناك شك في وجودها أصلاً ، فأغلب المؤرخين يعتقدون أنها شخصيات أسطورية لا وجود لها في الواقع ، وقد اشتهرت حكاياتها في القرون الستة الأخيرة ، وربما أشهرها وأقدمها هو " الخوجة نصر الدين " التركي الذي عاصر تيمورلنك في القرن الرابع عشر كما يتضح ذلك من حكاياته الطريفة مع هذا الطاغية المغولي .

أما " جحا العربي " فقد ثبت في المصادر العربية أنه ولد في القرن الأول الهجري ، وفيه يقول الشاعر عمر بن أبي ربيعة :

دلّهت عقلي وتلعّبت بي     حتى كأني من جنوني جحا

وذكره الميداني في مجمع الأمثال وهو يتحدث عن الأمثال العربية في الحمق فيقول : أحمق من جحا .

ومن أشهر طرائفه ما ذكره الآبي في كتابه " نثر الدرر " قائلاً :

" لما قدم أبو مسلم الخراساني العراق قال ليقطين بن موسى : أحب أن أرى جحا ، فتوجه إليه يقطين فدعاه ، وقال له :

ـ تهيّأ حتى تدخل على أبي مسلم ، وإيّاك أن تُعلّق بشي دون أن تستأذن ، لأني أخشاه عليك .

قال : نعم .

فلما كان من الغد جلس أبو مسلم ووجه يقطين إليه فدعاه ، وأدخل على أبي مسلم وهو في صدر المجلس ويقطين إلى جنبه وليس معهما أحد فسلّمَ ثم قال :

ـ يا يقطين أيكما أبو مسلم ؟

فضحك أبو مسلم ووضع يده على فمه ولم يكن قبل ذلك ضاحكاً " .

ويضيف أبو حيان التوحيدي في كتابه " الإمتاع والمؤانسة " إلى هذه الطريقة :

ـ إن جحا تمادى في تحامقه فقال لأبي مسلم صاحب الدعوة :

ـ إني نذرت إن رأيتك أن آخذ منك ألف درهم .

فقال أبو مسلم :

ـ إني رأيت أصحاب النذور يعطون ولا يأخذون .

وأمر له بها .

ومن الطرائف المنسوبة إلى جحا والتي لها ما يشابهها في تراث الأمم الأخرى هذه الحكاية :

" ذهب جحا إلى السوق واشترى حماراً وربطه بحبل ومشى وسحبه وراءه ،فتبعه لصّان ، وحلّ واحد منهما الحبل ووضعه حول عنقه وهرب الآخر بالحمار وجحا لا يدري ، ثم التفت خلفه فوجد إنساناً مربوطاً في الحبل فتعجب وقال له :

ـ أين الحمار ؟

فقال الرجل : أنا هو .

فقال جحا : وكيف حصل هذا ؟

قال اللص : كنت عاقاً لوالدتي فدعت الله أن يمسخني حماراً .

فلما أصبح الصباح قمت من نومي فوجدت نفسي ممسوخاً حماراً فذهبت إلى السوق وباعتني للرجل الذي اشتريتني منه ، والآن أحمد الله لأن أمي رضيت علي ، فعدت آدمياً .

فقال جحا : لا حول ولا قوة إلا بالله ، وكيف كنت سأستخدمك وأنت آدمي ؟ اذهب إلى حال سبيلك .

وحلّ الحبل من حول عنقه وهو يقول له :

ـ إياك أن تغضب أمك مرة أخرى ، والله يعوضني خيراً .

وفي الأسبوع الثاني ذهب جحا إلى السوق ليشتري حماراً فوجد حماره الذي اشتراه من قبل فتقدم إليه وجعل فمه في أذنه وقال له :

ـ يا شؤم عدت إلى عقوق أمك ؟ ألم أقل لك لا تغضبها ؟ إنك تستحق ما حلّ بك .




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2015                    

www.al-fateh.net