العدد 291 - 01/05/2015

ـ

ـ

ـ

 

قصة : د. طارق البكري

رسم : يزن قمر

يحكي أن سَيِّدُاً صالحاً، طيبَ القلب، عالي الهمة، قوي الإرادة، كان يعيش في بلاد بعيدة جداً.. وكان يملك قصراً جميلاً من أجمل قصور بلاده.. لكن الملكُ الشريرُ كان يغار من هذا الرجل الطيب،وأرادَ الاسْتيلاء على قصره الجميل الذي يمتاز بحجارته النادرة، ومكانه الفريد، على ربوة حافلة بأنواع من الورود والرياحين، ولا يُمكن العثور على ما يتصف به من جَمالٍ في أنحاء مملكته..

كانَ الحقدُ والحسدُ يتحكمان بقلبِ الملك الشرير؛ كيف يكون لرجل في مملكته مهما علت مكانته مثل هذا القصر الذي يتميز بهاء عن قصر الملك؟ وزاد من نقمته عليه أن الرجل كان محبوباً عند الناس، مقرباً منهم، يساعد فقيرهم، يلبي حاجاتهم، ويعين مرضاهم، ويواسي آلامهم..

لم يتوقف الملك الشرير عند مجرد التهديد والوعيد.. ولم يتخل عن هدفه المنشود.. بل ازداد ولعه بمطلبه واشتد تعنته مع إصرار الرجل الطيب على التمسك بقصره، بالرغم من أنَّ عروض الملك فاقت الثمن الحقيقي للقصر والأرض التي تحيط به.

عرض الملك الشرير على الرجل الطيب شراء القصر، وأغراه بكثير من الياقوت والذهب والمرجان؛ فرفض.. خيره بين الوجاهة والغنى والرياسة، أو كلها معاً؛ فرفض..

لم يقبل كل ما عرضه عليه بالترغيب تارة وبالترهيب تارة أخرى..

لم يكن قصره ولم تكن أرضه مجالاً للمقايضة مقابل كل ثروات الأرض..

ظل الرجل يعاني ظلم الحاكم وتضييقه عليه وعلى عماله زمناً طويلاً أملاً منه بأن يتوقف الحاكم عن غيه، ويقتنع بأنه لن يترك أرضه ولن يبيعها له بأي سعر لأنها بالنسبة إليه لا قيمة مالية لها.. إلى أن قرر الحاكم تنفيذ مأربه..

وكانت ليلة من ليالي الشتاء الباردة.. شديدة الظلام.. عاصفة الريح..

اقتحم الجنود قصر الرجل وقبضوا عليه وكبلوه بالحديد.. قادوه إلى قاضي الملك مكبل اليدين والقدمين.. أبلغه القاضي أنه حكم عليه بالنفي لأنه رفض تحقيق أمر الملك..

قال له إنه يعطيه فرصة أخيرة للتنازل عن قصره..

لكن الرجل رفض ذلك بكبرياء..

وقال للقاضي: "إذا أراد الملك قصري فليأخذه غصباً عني.. لكنه لن يحصل على موافقتي مهما فعل بي".

وتنفيذاً لحكم القاضي الجائر في قرار اتخذه دون محاكمة ولا قضية ولا تهمة..

وبناء على أوامر الملك الظالم؛ قام طائر خرافي عجيب ضخم، يسكن عشاً هائل الحجم، على شجرة كثيفة الأغصان في حديقة قصر الملك، قام بحمل الرجل على ظهره ومعه زوجته وأولاده الصغار، وطار بهم إلى مكان ناء..

أمرَ الملكُ بعض عماله من الجن أن يبنوا للرجل بيتاً بسيطاً وصغيراً على قمة الجبل العالي حيث نقله الطائر العجيب..

وقال القاضي للرجل قبل أن يختفي من المكان:

"عليك أن تسكن في بيتك الجديد حتى تموت.. لأنه مكان بعيد ولن تستطيع الخروج منه والعودة إلى من جديد"..

وأخبره أيضاً:"بيتك الجديد لن يكون أبداً مثل قصرك الحالي، بل سيكون صغيراً، وعليك أن تقتنع بهذا الحكم وألا تفكر بالعودة، وإلا سوف يقضى عليك".

فأذعن الرجل الطيب لهذا الظلم، وفضل النفي الجائر على العيش بجوار حاكم ظالم.. كما أنه لم يكن يملك خياراً آخر..

بعد أنْ وصل الطائر الخرافي العجيب، وبسرعة كلمح البصر إلى مكان لا يعرفه أحد من البشر.. شرع عمال الملك الشرير ببناء البيت الجديد..

وخلال أيام قليلة من العمل المتواصل ليلاً ونهاراً أصبح البيت جاهزاً.. لكنه في الحقيقة لم يكن بيتاً عادياً.. وعندما شاهده الرجل أصيب بالدهشة والسعادة.. وكانت المفاجأة أنَّ العمال لم يلتزموا بأوامر ملكهم الشرير، وقاموا ببناء قصر جميل رائع، أجمل من قصره الذي استولى عليه الملك.. غرفه وقاعاته كثيرة وواسعة، وأثاثه يشبه أساس قصره القديم..

كانوا يعرفون صاحب القصر ويحترمونه، ويعرفون أنَّ الملك "ظلمه" عندما استولى على قصره بالقوه ونفاه إلى هذا المكان النائي..

وقف الرجل على شرفة من شرفات القصر.. تأمَّل البساتين المُمْتَدَّة.. 

كانت البساتين تَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي البَصَرُ..

المنظر كان رائعاً جميلاً يملأ القلب والنفس بهجة وحبوراً.. على عكس ما كان يأمل الملك..

تأمل الواقع بغصة.. كان يأمل أن تتملكه قوة ما تتمتع بقوة جاذبة تجره إلى حيث يجب أن يكون..

لعلَّ ريحاً عاتية تأتي من بعيد، تنزعه من مكانه، وتحمله إلى حيث كان.. تلقيه في الأرض التي يحب.

لكنْ.. هيهات هيهات أنْ تأتي ريح يتمناها.. وأن يتغير واقع لا يريد هو بنفسه أن يغيره ويبدله.

فهل تتغير الأحوال من غير إرادة ويتحقق انتصار من غير قتال؟

وكم من متأمل ضاعت منه آمال وتناهت عنه أحلام.. يظن مخطئاً أن الآمال ستأتيه عفواً، وأن الأحلام ستتحقق دون أن يجهد فكراً أو يبذل عملاً.

هو يعلم أنَّه: ما نال غايته من عوَّل الآمال على ريح صرصر عاتية.. أو من طلب الماء في صحراء قاحلة.. أو من صخرة صماء جامدة.

إنَّ الريحَ التي تمرُّ تمضي في طريقها بكبرياء.. لا تسأل عن محب أو مبغض، هي تحمل العبير وضده.. وتسير بلا نهاية.. بلا حدود أو هدف، تتنقل من بلاد إلى بلاد دون كلل أو ملل.. تمر على أسطح بيوت الأغنياء كما تمر على أسطح بيوت الفقراء..

سيان عندها ما بين زهر الربيع أو شوكه..

هي تمضي، وتدور حول الكرة الأرضية، تقطع المسافات دون انقطاع.. ولا تعبأ بكل من تصادفه في طريقها..

وإلى سفح الجبل وصل بعض أهل البادية يحملون خيامهم المتنقلة..

شاهدوا القصر المستجد على رأس القمة، فسارعوا إلى صعود المرتفع رغم صعوبة التسلق ووعورة المنحدر..

حملوا معهم بعض الماشية والحيوانات الداجنة..

وعندما بلغوا المكان وجدوا أرضاً طيبة، وماء عذباً..

راحوا يرجون الرجل الطيب أن يقبل بأن يعملوا في الأرض مقابل أن يسمح لهم بالسكن الدائم في هذا المكان الجميل، ظناً منهم أن القمة والبساتين التي تحيط بالقصر هي ملكه..

 كانت الأرض تلك الأيام حرة منطلقة لا يملكها أحد.. وهو أول إنسان يطأ القمة ويسكن فيها..

بدأ العُمَّال الجدد يَعْمَلُونَ ليلاً ونهاراً دُوْنَ مَلَلٍ..

يَزْرَعُونَ أنواعاً مِنْ أَشْهَى فَاكِهةٍ وخُضْرَاوَاتٍ..

أَرْضُ الرَّبْوَةِ خَصْبَةٌ خَصْبَةٌ، لاَ تَبْخَلُ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي أَحْشَائِها، ولاَ تَحْتَاجُ سَماداً وَلاَ جُهْداً كَبِيراً.

المَاءُ يَسِيلُ من حولها مِنْ كُلِّ صَوْبٍ. العشبُ الضارُّ لاَ يَنْبَتُ بِهَا..

ترَابُها نَظِيفٌ.. فَاكِهتُهَا لَذيذةٌ.. كُل ما عَلَيْهَا يُعْجَزُ وَاصِفاً عَنْ وَصْفِهِ، وَسَاحِراً عَنْ سِحْرِهِ، وَفَنَّاناً عَنْ فَنِّهِ، وَشَاعراً عَنْ شِعرهِ..

فِي الربوةِ العالية على قمة الجبل حَرَكَةٌ دَائِبَةٌ جَادّةٌ مُنْهَمِكَةٌ، أَعْمَالٌ مُسْتَمِرَّةٌ لا تَتَوَقَّف، مِثْلَ خَلِيَّةِ نَحْلٍ أَو ثَكَنَةِ جَيْشٍ.

المالكُ الجديدُ هَادىءٌ رَزِينٌ، حَليمٌ وقورٌ رصينٌ.. لَطِيفٌ فِي تَعَامُلِهِ، سَعِيدٌ مُبْتَسمٌ بَشُوشٌ.. العُمَّال يُحِبُّونَهُ.. الأَزْهَار والأَشْجَارُ والفَرَاشاتُ.. حَتَّى حَيَوَانَاتُ الزَرَائِبِ عِنْدَمَا تَشُمُّ رَائِحَتَهُ تُطْلِقُ أَصْوَاتاً تَدُلُّ عَلَى الرِضى والسرور.. وكُلُّ ما فِي القَصْرِ كان يُحِبُّ السيِّدَ الكَرِيمَ.هُوَ لاَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ.. يُسَاويهم بِنَفْسِهِ، فِي كل مشْربٍ وَمأكَلٍ وَمَلْبَسٍ؛ طَعَامُهمْ طعامُهُ، ثِيَابُهُمْ ثِيَابُهُ، لو شَاهَدْتَهُ بِرِفْقَتِهمْ ما فَرَّقْتَ بَيْنَهُم وَبَينَهُ..لاَ يَبْخَلُ عَلَيهِمْ بِعطاءٍ.. لاَ يُهِينُهمْ.. لاَ يُكَلِّفُهُمْ مَا لاَ يُطِيقُونْ..

وعَلَى هَذِهِ الحالْ عَاشَ العمال واستقروا بعدما كانوا من البدو الرحل ينتقلون من مكان إلى مكان بحثاً عن الماء والطعام.. وانقضت الأيام بِوِئامٍ وَسَلامٍ دُونَ أَنْ تُكَدِّرَ صَفْوَ حَيَاتِهِمْ شَائِبَةٌ ولا عِلَّةٌ.

ومَرَّتْ السِّنونُ وهم هَانِئون سُعداء، لَيْسَ لديهم مَا يُقْلِقُ مِنْ مُزْعِجَاتٍ..وأصبح الرجل الطيب المطرود من بيته ملكاً كبيراً من ملوك الزمان..




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2015                    

www.al-fateh.net