العدد 293 - 01/06/2015

ـ

ـ

ـ

 

تأليف : حمدي عمارة

كان ياما كان ، في سالف العصر والأوان . كان يعيش ببغاء يُدعى " فصيح " . وإذا كان القرد يقلد الحركات ؛ فإن الببغاء يقلد الأصوات ! .. ويقول صاحبه الصغير " إمام " : إنه يقلد صوت الإوزة :

ـ كاكاكاكاكا ! .. كاكاكاكاكا ! ..

   ويصيح كما يصيح الديك :

ـ كوكوكوووو ! .. كوكوكوووو ! ..  كوكوكوووو ! .. 

   ويقلد صوت " موتور " السيارة :

ـ فون فون .. فون فون فون ! ..

   وصوت منشار النجار :

ـ فوت فوت .. فوت فوت .. فوت فوت ..

   وأصوات الطيور والحيوانات .. وكل الأصوات .

   ويغالب الضحك " إمام " وأخته الصغيرة " أميمة " ، إذ كانا ينصتان إليه من البداية ! ..

   وأيضا ؛ يقلد " فصيح " ضحكهما ، ويشاركانه الضحك ! ..

ـ هاهاهاها ! .. هاهاهاها ! .. هاهاهاها ! ..

   وما يلبث أن يحلق فوقهما ، ويحوم حولهما .. لقد اعتادا على مداعبته ، خاصة فى وقت الفراغ .. وذات يوم ؛ استعد أصحاب الدار جميعا لزيارة أحد الأقارب . ولم يصطحبه صديقه هذه المرة ، وقبل أن يغادرا ، تقدم له " أميمة " الحَب :

ـ تفضل الحَب يا " فصيح " ..

ـ شكرا " أميمة " .. شكرا " أميمة " .. هاهاها .. هاهاها !..

   ويقدم " إمام " الماء :

ـ تفضل الماء ياصديقى :

ـ شكرا " إمام " .. شكرا " إمام " .. هاهاها .. هاهاها .. الحََب والماء .. الحَب والماء ..

   ثم يقول له " إمام " :

ـ لن نتأخر كثيرا ياصديقى .. مع السلامة ..

ـ مع السلامة .. مع السلامة ..

   كان الفأر " فوفو " واقفا أمام جُحره ، وما أن يرى " إمام " وأخته وأبويه يغادرون المنزل ، ليختبئ خلف جذع شجرة بالحديقة ؛ قائلا في نفسه : 

ـ يا لها من فرصة ذهبية ! .. لقد غادروا جميعا إلا " فصيح " .. يمكنني أن أتسلل إلى داخل المنزل دون أن يراني ، أو يشعر بي .. وحتى لو رآني ، فإنه مجرد ببغاء لا يستطيع أن يفعل شيئا .. المهم أنه ليس هرّا ، ولا هُريرة .. هههههها ! .. هههههها ! ..

   وألقى " فوفو " نظرة نحو النافذة : 

ـ يا للحظ ! .. لقد نسوا غلق النافذة .. هههههها ! .. هههههها ! .. انطلق يا " فوفو " .. هجوووووم ! ..

   لم يسبق لـ " فصيح " أن مكث وحده بالمنزل ، فسرعان ما أحسّ بالملل ، وانبرى يعبّر عن مشاعره :

ـ ما أصعب الشعور بالوحدة ! .. ماذا أفعل لكي أسلي نفسي ؟ .. فكر وأرني فصاحتك يا "صفيح " .. أقصد " فصيح " ! .. هاهاهاه ! ..

   يفكر " فصيح " قليلا ، وما يلبث أن يهتف فى فرحة :

ـ هذه هي .. يا لها من فكرة ! .. إنني عبقري ! .. هاهاهاه ! .. هاهاهاه ! ..

   لم يكن قفص " فصيح " مغلقا ، فحين اشتراه " إمام " من مصروفه الخاص ؛ وجاء به إلى المنزل ، طلبت منه الصغيرة " أميمة " ، أن يُغلق باب القفص ، حتى لا يهرب ، ولكن " إمام " قال لها :

ـ لا يا " أميمة " ، يجب أن يكون حرا ، فيطير في المنزل كما يشاء .. ولن يهرب طالما نقدم له الغذاء والماء ..

ـ والقفص يا " إمام " ؟! ..

ـ القفص للطعام والمبيت ..

   وبالفعل خرج " فصيح " من باب القفص المفتوح ، وطار هنا وهناك ؛ معبّرا عن فرحنه ، ثم عاد إليه .. وعندئذ اقتنعت " أميمة " برأي أخيها :

ـ عندك حق يا " إمام " ..

   وجعل " فصيح " يطير ويحلق ويحوم حول الثريا فى البهو الكبير ، وما أن سئم لعبة الطيران ، ليسعفه تفكيره ، بممارسة لعبته المفضلة ، بترديد أصوات أهل الدار التي حفظها ، فتارة يقلد الأب :

ـ ذاكر دروسك يا " إمام " .. 

   ونارة يقلد الأم :

ـ إغسلي أسنانك يا " أميمة " في الصباح ، وقبل النوم ..

   وثالثة يقلد " إمام " :

ـ لن نتأخر كثيرا يا صديقي ..

    وتنطلق ضحكات " فصيح " :

ـ هاهاهاه ! .. هاهاهاه ! .. فكرة رائعة ! ..

   كان " فصيح " مشغولا بتقليد الأصوات ، بينما تسلل الفأر " فوفو " من النافذة المفتوحة .. يقف بالنافذة ، بينما كان يرقب " فصيح " الذي يواصل التقليد والضحك :

ـ لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد .. هاهاهاهاه ! .. هاهاهاهاه ! ..

  ويُغبط " فوفو " نفسه ، قائلا :

ـ " فصيح " مشغول بالتقليد والضحك .. فلأغتنم الفرصة ، وأتسلل إلى المطبخ ..

   ونزل الفأر " فوفو " زاحفا على الحائط .. وأصبح في البهو ، وعندئذ لمحه " فصيح " ! ، ليهمس في استغراب :

ـ فأر ! .. إنه مخلوق عابث ومخرب ! .. ماذا أفعل ؟! .. ماذا ؟ .. ماذا ؟ .. آه .. هذه ! .. كأني ما رأيته .. يعنى : " لا مين شاف ولا مين دري " ..  

   ويواصل " فصيح " تقليد الأم والضحك :

ـ " إمام " ، يجب أن تغسل يديك قبل الأكل وبعده .. إشربي اللبن يا " أميمة ".. هاهاهاهاه ! .. هاهاهاهاه ! ..

   تسلل " فوفو " إلى المطبخ .. بينما تستمر ضحكات " فصيح " :

ـ هاهاهاهاه ! .. هاهاهاهاه !.

   ويتسلق " فوفو " المنضدة ، بينما يغبط نفس :

ـ لم يرنى " فصيح " .. ما أسعد حظي ! .. المطبخ ممتلئ بما لذ وطاب من الأطعمة والمأكولات . فلأنجز المهمة ..                                                                        

   توقف " فصيح " عن تقليد الأصوات والضحك ، وتنهد :

ـ لعبة مسلية لولا هذا الفأر هادم اللذات .. بالطبع لم يدخل المطبخ ليغسل الصحون ! ..

   وأنصت " فصيح " بكل سمعه .. علته الدهشة :

ـ ماذا ؟! .. أسمع قرضا ! .. ماذا يقرض الفأر ؟ .. سيخرّب المطبخ .. يجب أن أتصرف .. فكر بسرعة يا " فصحصح " ..

   ويفكر " فصيح " ، ويبدو أن جاءته فكرة :

ـ رائع يا " فصيح " ، بل أكثر من رائع ! .. إن الفأر يخاف من القط .. فلأستخدم ميـْزتي و .. وما أسهل مواء القط ! ..

   ويموء " فصيح " :

ـ مياو .. ميااوو .. مياااووو .. ميااااوووو ! ..

   يسمع " فوفو " المواء ، فينتفض :

ـ ماذا ؟! .. يا لحظك النحس يا " فوفو " ! .. من أين أتى هذا الوحش ؟! ..

   ويواصل " فصيح " المواء :

ـ ميااااووووو .. مياااااوووووو !

   اشتد انزعاج " فوفو " :

ـ يا للهول ! .. أكاد أموت رعبا .. لو انتظرت لحظة .. سيهجم علىّ و .. وأصبح فى خبر كان .. فلأعُد مسرعا من حيث أتيت ..

   وما يلبث أن يولى الفأر مدبرا.. يراه " فصيح " ، فما يلبث أن يحلق فرحا بين ضحكاته :

ـ هاهاهاهاه ! .. نجحت ! .. نجحت ! .. هاهاهاهاه ! .. هاهاهاهاه ! ..

   لم يكن " فصيح " مجرد مقلدا ، ولكنه أثبت أنه عبقري ، وأنه حارس أمين .. سُئل إمام ذات مرة :

ـ لماذا أسميت ببغاءك  " فصيح " ؟ .. فقال :

ـ لأنه " غلباوي " و" رغاي " وكثير الكلام ! ..

   ويعلو صوت " فصيح " :

ـ مع السلامة .. مع السلامة ! . ،،،




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2015                    

www.al-fateh.net