العدد 294 - 15/06/2015

ـ

ـ

ـ

 

الحلقة 15

دخل الأستاذ محروس إلى الصف ، والتلاميذ يتصايحون ويتشاجرون ، فصرخ الطالب محمود :

ـ انتبهوا يا شباب ، الأستاذ محروس حضر ..

جلس الطلاب على مقاعدهم ، إلا أحمد وإبراهيم .

صاح أحمد :

ـ هذا لا يجوز .. كلما سكتنا ، كلما ارتفع صوت إبراهيم .. هذا عيب .

وقال أنس :

ـ وعيب أيضاً ـ يا أحمد ـ أن يكون الأستاذ بيننا ، وأنت وإبراهيم تتشاجران .. هذا ملفت ، غير معقول ، أن ترتفع أصواتنا بحضور الأستاذ .

جلس أحمد وإبراهيم ، وعمَّ السكوت في الصف والهدوء ، فلا تسمع همسة ، ولا ترى حركة .

أخذ الأستاذ محروس ينقِّل بصره بين الطلاب ، ثم استدار إلى السبورة ، وكتب :

كلما .. كلما .. ملفت .

ثم توجّه نحو تلاميذه مبتسماً وقال :

ـ يا أبنائي الأعزاء .. أنتم لم تخطئوا بسلوككم فقط ، بل أضفتم إليه خطأين لفظيين يقع فيهما كثير من الإعلاميين والكتَّاب ..

أنتم أخطأتم في تصايحكم ، حتى وصلت أصواتكم إلى خارج الصف .. وهذا سلوك غير حضاري .. لا يجوز أن ترفع صوتك أكثر مما يحتاج إليه السامع .. تكلم بهدوء ، بأدب ، ولا ترفع صوتك على أخيك ، ولا على أمك وأبيك ، ولا على زميلك ، لا في المدرسة ، ولا في الشارع ، ولا في البيت .. رفع الصوت ، فيه رعونة وإيذاء لا تليقان بالإنسان الحضاري ، والله أمرنا أن نغضَّ أصواتنا كما نغضّ أبصارنا ، قال الله تعالى في كتابه العزيز :

" بسم الله الرحمن الرحيم : واغضض من صوتك ، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير "

هذه واحدة .. والثانية : تفاهموا بالحوار الهادئ المهذب ، وليس بالصراخ والمغالبة ، كما يفعل السفهاء من الآباء والأمهات مع بعضهم بعضاً ، ومع أولادهم ، حتى تصير البيوت جحيماً ، بدل أن تكون واحة وارفة الظلال .

ثم استدار إلى السبورة ، وأشار إلى (كلما ... كلما) وقال :

ـ انظروا إلى هذا الخطأ الفظيع .

كلما سكتنا ، كلما ارتفع صوت إبراهيم ..

هذا خطأ .. خطأ .. هل تفهمون ؟

ـ وما الصحُّ يا أستاذ ؟

أجاب الأستاذ محروس في شيء من العصبية :

ـ الصحُّ : ألا نكرر كلما .. نقول :

كلما سكتنا ، ارتفع صوت إبراهيم

نهض إبراهيم وقال في أدب :

ـ والله لن أرفع صوتي على أحد بعد اليوم .

ـ عظيم .. رائع أنت يا إبراهيم ، وزميلك أحمد ، لن يستعمل (كلما) استعمالاً خاطئاً .. قال الله تعالى في كتابه العزيز ، عن سيدتنا مريم بنت عمران عليها السلام :

" كلما دخل عليها زكريا المحراب ، وجد عندها رزقاً "

فالله ـ سبحانه ـ قال في جواب كلما : (وجد عندها رزقاً) ولم يقل ـ سبحانه ـ كلما وجد عندها رزقاً .

ثم تفرس في الوجوه بحنان ، وقال :

ـ هل فهمتم يا أبنائي الأعزاء ؟

ـ نعم .. نعم أستاذ .

استدار الأستاذ نصف استدارة نحو السبورة ، وأشار بيده نحو كلمة (ملفت) وقال في ابتسام :

ـ عظيم .. رائع .. مَهْلَكم هذا لافت .. لافت للنظر وليس (ملفت) يا أنس .. أين أنت يا أنس يا أبا (ملفت) .

ـ أنا هنا أستاذ .. ولكن لماذا ؟ أين الخطأ ؟

ـ الخطأ أن تقول : ملفت .. والصحيح أن تقول : لافت والسبب ـ يا ولدي .. ويا أولادي ـ أن الفعل (لَفَتَ) ثلاثي .. يعني مؤلَّف من ثلاثة أحرف ، وهو فعل متعدّ ، واسم الفاعل من الثلاثي يكون على وزن (فاعل) (وامتدت يد الأستاذ نحو السبورة وكتب وهو يتكلم) :

ـ لَفَتَ : لافتٌ .. هو لافتٌ .. الأمرُ لافتٌ .. ذكاؤكم لافتٌ للنظر .. سرعةُ استجابتكم لفهم الدرس لافتةٌ للانتباه .. مفهوم ؟

ـ مفهوم أستاذ .

ـ بوركتم .. بارك الله فيكم ، وهيّا إلى الفرصة ولكنْ بهدوء .. بابتسام .. كونوا مبتسمين دائماً .. العبوس مذموم .. العصبية مذمومة ، والإنساني العصبيُّ المزاج ثقيل ، ثقيل جداً ، ينفر منه الناس .. حتى أقرب أهله إليه ينفرون منه .. تعوّدوا على الابتسام ، الرسول العظيم أستاذ الحياة يقول :

تبسُّمك في وجه أخيك صدقة

يعني حسنة .. فتصدّق بابتساماتك الحلوة على الناس ، والأقربون أولى بالمعروف .. ابتسم لأهلك ، ابتسم لأصدقائك ، لزملائك ، حتى يحبّوك ، ويأنسوا بوجودك بينهم .. ولا تعبسْ ولا تقطّب فيهربوا منك .




محرك بحث مجلة الفاتح

أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2015                    

www.al-fateh.net