العدد 295 - 01/07/2015

ـ

ـ

ـ

 

الحلقة 16

وقف الأستاذ محروس أمام تلاميذه مبتسماً وقال :

ـ تفاءلوا بالخير تجدوه .. فهل أنتم متفائلون ؟

هبَّ الطالب محمود وقال :

ـ كلنا متفائلون بالنجاح يا أستاذنا الحبيب .

ازدادت ابتسامة الأستاذ محروس عذوبة وقال :

ـ الطالب النجيب محمود لسان الصفّ الناطق بالخير والتفاؤل .. عظيم .. إذن أنتم كلكم متفائلون بالنجاح إن شاء الله تعالى .

رفع كمال يده وقال :

ـ محمود متفائل .. أنا لست متفائلاً بالنجاح في كل المواد .

ـ إذن أنت متشائم يا كمال .. ضدّ المتفائل : متشائم .. فلماذا أنت متشائم ؟

ـ لأن أستاذ الرياضيات عبوس قمطرير ، لا يضحك للرغيف السخن . وعندما يدخل الصف ، أنظر إلى زملائي ، فأرى وجوههم عابسة ، وتنقبض قلوبنا ، وننتظر انتهاء الدرس باكتئاب .

تلاشت البسمة العريضة التي كانت تضحك في وجه الأستاذ محروس ، وفي عينيه وشفتيه ، وقال في حزن :

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله .. أستاذ وعبوس ؟!

ثم انفرجت أسارير الأستاذ محروس ، وأقبل على تلاميذه قائلاً :

ـ الحكمة ضالّة المؤمن ، أينما وجدها ، التقطها ، والإنسان الذكي يأخذ دروساً وعبراً من كل ما يسمع ويرى ، فمن منكم يستخلص لنا درساً أو عبرة مما قال زميلكم كمال ؟

قال أحمد :

ـ أنا ـ العبد الفقير ـ لن أكون عبوساً ، حتى لا يكرهني الناس ، وإذا صرت أستاذاً ، فسوف أكون مثل الأستاذ العظيم محروس .. دائم الابتسام ، حتى يحبني الطلاب ، ويستفيدوا من علمي .

الأستاذ : رائع يا أحمد .. وكلكم يجب أن تكونوا مثل أخيكم وزميلكم أحمد .. متفائلين ، مبتسمين ،والرسول العظيم ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو أستاذ الحياة ، كان بشوشاً ، في بيته ، ومع أصحابه ، ومع الناس ، وقد علّمنا كل ما يفيدنا وينفعنا في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى ، في الجنة ، ونحن حتى ندخل الجنة ، نحتاج إلى الحسنات ، والصدقة من أروع الحسنات ، ولذلك قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ :

(تبسمك في وجه أخيك صدقة) فأكثروا من هذه الصدقات يا أبنائي الأعزاء .

كلُّ الطلاب : إن شاء الله يا أستاذ .

ـ بارك الله فيكم أيها الطلاب النجباء ، وأحبّ أن أختم هذا الدرس بهذه الأبيات الجميلة للشاعر أبي ماضي ، وفيها حوار بين متفائل ومتشائم ، اخترتها من قصيدة طويلة جميلة له عنوانها : (ابتسم) .. سوف أكتبها على السبورة ، لتكتبوها معي بلا أخطاء .

واستدار الأستاذ نحو السبورة ، وبدأ يكتب الأبيات وهو ينطقها :

قال : السماء كئيبة وتجهمّا

قلتُ : ابتسمْ يكفي التجّهمُ في السما

قال : الليالي جرّعتني علقما

قلت : ابتسم ، وإذا جرعتَ العلقما

واضحكْ ، فإنّ ، الشّهب تضحك والدُّجى

متلاطمٌ ، ولذا نحبُّ الأنجما

قال : البشاشة ليس تُسعد كائناً

يأتي إلى الدنيا ويذهب مُرغما

قلت : ابتسمْ مادام بينك والردّى

شبرٌ ، فإنك بعد لن تتبسما

والتفت الأستاذ محروس نحو تلاميذه مبتسماً وقال :

ـ أرأيتم ردّ المتفائل على المتشائم ؟

أحمد : ردُّ رائع .

أنس : سوف أحفظ القصيدة فوراً .

الأستاذ : ليكن الابتسام فلسفتنا في هذه الحياة ، قبل أن نصير إلى لا شيء .. قبل أن نموت ، فالتشاؤم ، والعبوس ، والقلق ، مقدمات لموت بائس ، وعيش تعيس .




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2015                    

www.al-fateh.net