العدد 300 - 15/09/2015

ـ

ـ

ـ

 

تأليف : حمدي عمارة

شُفي الذئب من مرضه ، ووقف أمام جحره .. كان وقت الغروب ، والشفق الأحمر يلوّن الأفق .. تلفت من حوله ، ولسان حاله يهتف في لهفة ولوعة :

ـ " كم أشتاق للغدر ! .. لقد منعني المرض اللعين أياما عديدة .. أكاد أُجَنّ ! .. إلى أين أذهب ؟ ، وبمن أغدر ؟! " .. علته الدهشة ، إذ سمع صوت صياح وبكاء :

ـ رائع !. لكم يطربني الصياح !، والصراخ يدغدغ مشاعري .. ولكن من أين يأتي ؟!

ألقى بسمعه ناحية الصوت ، واقترب :

ـ إنه يأتي من بيت الغزال .. فـُرجت ! .. تـُرى ما الخطب ؟! .. سأعرف حالا ..

وما لبث أن هرول ، واعتلى بيت الغزال .. فتش من حوله ، فعثر غلى فتحة في السقف .. أطل منها على الغزالة الأم وصغارها الأربعة ، وقد بدا عليهم الخوف والذعر .. وراح ينصت للحوار ، حيث قال أحد الصغار من بين نحيبه :

ـ يا ويلنا .. خطف الأسد غزالا ، وغدا يخطف آخر .. ماذا نفعل يا أمي ؟!

ـ لا تخف يا صغيري .. غدا أسلم له نفسي ..

ـ لا يا أمي .. بل أنا ..

ـ لا لا .. بل أنا ..

 عجبا ! ، كل يضحى بنفسه من أجل الآخرين ! ، وعندئذ يعترض الغزال الصغير ، قائلا بذكاء :

ـ هكذا سيأكلنا جميعا ..

ـ فعلا .. وماذا ترى ؟

ـ لن نستسلم .. ودعوني أفكر في خطة تنقذنا من الهلاك ..

وشرد الغزال الصغير يفكر ، وإخوته ينظرون إليه ، وأعينهم تتألق بالأمل والرغبة في الحياة .. ويستحثه الذئب قائلا في نفسه :

ـ " هيا أيها الصغير الذكي ! " ..

وفجأة ، يهتف الغزال الصغير :

ـ وجدتها ! .. اسمعوني جيدا .. تعرفون أن الأسد يصحو متأخرا ..

وتعلق الأم :

ـ بالطبع ، لأنه ينام متأخرا ..

ويضيف غزال :

ـ ويأتي إلينا بعد الظهر لكي يفطر بأحدنا ..

ـ تمام .. المسألة محلولة .. علينا أن نختبئ حتى العصر ، وحين يأتي لن يجد أحدا ، ويوما بعد يوم ، سيعتقد بأننا هربنا من الغابة ، فيبحث عن غيرنا .. ما رأيكم ؟ ..

ويهتف الجميع في إعجاب وقد تهللت أساريرهم :

ـ فكرة رائعة ! .. وأين نختبئ ؟ ..

ـ في حشائش السفانـّا الطويلة ..

لم يضيع الذئب الوقت ، وسرعان ما وثب من فوق السطح ، وأطلق ساقيه للريح ، إلى حيث عرين الأسد : فلأبلغ الأسد ، والبقية تأتي .. يا لسعادتي ! .. هئ هئ هئ ! ..

احتفى الأسد بالذئب ، وقام الغزال المختطف بواجب الضيافة ، وانتهز الذئب فرصة دخول الغزال وانشغاله ، وأنبأه بحوار الغزال ، وخطة الغزال الصغير ، ليعلق الأسد :

ـ لو صحّ قولك سأعتبرك صديقي ..

ـ فقط يا مولاي ؟ ..

ـ أعز أصدقائي ..

ـ فقط يا مولاي ..

ـ ها ها ها ! .. سأعينك وزيرا ..

ـ فقط يا مولاي ؟ ..

ـ أيها .. الطماع ماذا تريد أكثر من ذلك ؟!

ـ إنني أطمع في كرمك يا مولاي .. ألا أستحق أن أكون نائبك ؟ ..

وعندئذ زمجر الأسد ، بينما انقلبت سحنته :

ـ ماذا ؟! .. هرررررررر !

فزع الذئب ، وكاد أن يُغشى عليه ، ليستدرك :

ـ ولأبنائك بعد العمر الطويل المديد ..

ـ ها ها ها .. موافقون .. على أن تظل على وفائك ، وإلا ..

ـ أعرف الباقي يا مولاي ..

وانحنى الذئب على الأسد هامسا : ألم تأكل الغزال بعد يا مولاى ؟

ـ سأتركه حتى يكبر ويسمن ثم .. هَمْْهَمْ هَمْ هَمْ .. ها ها ها ! .. ها ها ها !

ـ موعدنا صباح الغد يا مولاى ..

ـ وهو كذلك عزيزي النائب . ها ها ها ! ..

 وما أن يُصبح الذئب خارج العرين ، ليتقافز في فرحة :

ـ اليوم نائب وغدا ملك الغابة .. لم لا ؟ .. هئ هئ هئ ! .. هئ هئ هئ ! ..

وفي الصباح المبكر ، ينطلق الغزال ، إلى حيث منطقة السفانا المتطرفة ، وتطلب الأم من صغارها أن يلتزموا الهدوء ، ولا يأتون بأي صوت ، أو حركة .. وفي الوقت نفسه ، كان الذئب يتقدم الأسد ، إلى حيث يختبئ الغزال ، ومن فوق التل ، أشار الذئب ناحيتهم : هاهم يا مولاي مختبئون في حشائش السفانا كما أخبرتك ..

ـ شكرا نائبي الوفي .. كنت سأخطف الأم لأنها سمينة ، ولكني سأخطف الصغير صاحب الفكرة ..

 وما يلبث أن يقفز الأسد ناحية الغزال الصغير : زئى ى ى ى ى ر ر ر ر ر ! ..

 ولكن يبتعد الغزال في الوقت المناسب ، ليسقط الأسد في الشوك ، وما يلبث أن يُطلق صرخة دوّت في المكان .. تعجب الذئب ، وسرعان ما انطلق نحو الأسد .. اقترب منه متسائلا في استغراب : ماذا أصابك يا مولاي ؟!

ـ لقد أفلت الغزال الصغير من بين مخالبي فوقعت على الشوك ، فانغرس في يديّ ورجليّ .. آه .. آه ! ..

ـ الدم ينزف من الجروح يا مولاي !

ـ وماذا تنتظر ؟! .. هيا أوقف النزيف .. تحرك .. لماذا تسمرت هكذا ؟!

عندئذ يحدث الذئب نفسه :

ـ الجروح عميقة ، وسينزف الدم حتى يموت .. إنها فرصتي .. أتظل الأسود تحكم إلى الأبد ؟ .. لم لا تحكم الذئاب ؟ .. سيموت الأسد ، وأصبح ملك الغابة ..

ويبتعد الذئب ، ليهتف الأسد في ذهول : إلى أين أيها النائب ؟!

ـ نلتقي في الآخرة يا عزيزي .. هئ هئ هئ ! ..

ـ أيها الغادر المخادع .. الويل لك .. آه .. آه ! ..

 وتفاجئ الأم صغارها قائلة : يجب أن ننقذ الأسد ! ..

ـ ماذا تقولين يا أمي ؟! .. إنه ..

ـ ولا كلمة .. إنه في محنة ويجب مساعدته ..

 وبالفعل تتقدم الأم وتنقذ الأسد ، الذي قال معبّرا :

ـ لقد فعلت خيرا أيتها الغزالة الطيبة .. ولذا ، لك عندي مفاجأة لا تحلمين بها ..

 وتصاحب الأم الأسد ، ويتحاور الصغار :

ـ أمنا تسير بجانب الأسد غير خائفة .. لا بد أنه سيكافئها ..

ـ لا ، بل سيغدر بها ..

 ويتدخل الغزال الصغير قائلا :

ـ الأسود لا تعرف الغدر ..

وقدم الأسد للأم أغلى وأعظم مكافأة : صغيري ! .. لا أصدق عيني ! ..

ـ من الآن ، أنت وصغارك في أمان ..

 ثم يرفع صوته : رئيس الحرس .. عليك بالقبض على الذئب الغدار ..

ـ سمعاً وطاعة يا مولاي ..

 كان الذئب وراء القضبان ، حين قال : مرة تخيب ، ومرة تصيب ..

 ويردّ عليه " بوبي " .. رئيس الحرس :

ـ أضغاث أحلام .. هاو هاو هاو ! . ،،،




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2015                    

www.al-fateh.net