العدد 301 - 01/10/2015

ـ

ـ

ـ

 

الحلقة 22

وقف الأستاذ محروس أمام تلاميذه ، وابتسامة عريضة تملأ وجهه الصبوح ، وقال :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

وردّ عليه تلاميذه التحية بأحسن منها ، كما أمر الله تعالى في كتابه العزيز :

(وإذا حييتم بتحية فحيّوا بأحسن منها ، أو ردّوها) فقالوا :

ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أستاذنا الرائع .

التمعت عينا الأستاذ ، وأضاء وجهه الجميل ، وقال :

ـ كلُّ عام وأنتم وشعبنا العربي ، وأمّتنا الإسلامية بألف خير ، أعاده الله علينا وعلى أهلنا في بلاد العروبة والإسلام ، ونحن جميعاً بخير ، نهض أحمد وقال :

ـ من أين يأتي الخير يا أستاذ ؟

من اليهود الذين يحتلون بلادنا العزيزة : فلسطين ؟ أم من الغزاة الذين يغزون بلادنا في سورية ، وفي العراق ، يقتلون ويذبحون ويحرقون البيوت ، ويسرقون ، وينهبون ..

وأجهش أحمد في البكاء ، ودمعت عينا الأستاذ من شدة تأثره بكلام تلميذه أحمد ، وشاهد التلاميذ أستاذهم وهو يلتقط دموعه بمنديل ورقي نظيف ، فاغرورقت عيونهم بالدموع .

بعد لحظات حزينة ، تكلم الأستاذ محروس بصعوبة ، وكان مما قاله لهم :

ـ أنا أحترم بكاء زميلكم أحمد ، وأحترم دموعكم .

قال أنس في حزن :

ـ ولكن .. أستاذ .. نحن شباب .. والبكاء للبنات .. للنساء ..

قال الأستاذ محروس :

ـ والبكاء للرجال أيضاً يا أنس .. البكاء يعبر عما يحتمل في النفوس من أحزان ..

ـ أحزان في العيد يا أستاذ ؟

ـ نعم ، يا أنس ، في العيد وفي غير العيد .. البكاء يرقّق القلوب .. يغسل القلوب كما يغسل العيون .. يعبّر عن وعيّ لما يجري في بلادنا العزيزة التي تتعرض في هذه الأيام لمؤامرات خسيسة من أعدائها في الخارج ، وللأسف ، أولئك الأعداء والخارجون ، يعتمدون على بعض العملاء من أبناء شعبنا .

تساءل محمود :

ـ معقول ؟

ـ للأسف ، يا محمود ، هذا ما نراه بأعيننا ، ولولا العملاء ، ما استطاع الأعداء في الخارج ، أن يقوموا بالعدوان علينا ..

ـ ولكنّهم قلّة .. أليس كذلك أستاذ ؟

ـ طبعاً هم شراذم قليلة ، تافهة ، ساقطة ، ونحن نحاور العقلاء منهم ، ليرجعوا عن غيّهم وانحرافهم ، ليرجعوا إلى شعبهم وأمتهم .

ـ وهل للعملاء عقول أو عواطف ، حتى نحاورهم ؟

ـ طبعاً يا مصطفى لهم .. لهم عقول وعواطف .. إنهم بشرٌ مثلنا ، أضلّهم الشيطان ، فأعمى أبصارهم ..

قال أنس :

ـ أنا أعرف واحداً منهم ، وأتخيّل الشيطان تلميذاً عند ذلك البلطجي الموغل في الفساد والإجرام .

قال الأستاذ محروس :

ـ وأنا أعرف بعضهم يا أنس ، وهم كما وصفت ، إنهم مجرمون ، بلا عواطف ، ومع ذلك ، نحاورهم وننصحهم ، معذرةً إلى ربكم ، ولعلهم يهتدون .

قال مصطفى :

ـ هيهات يا أستاذ .. ليس لأولئك المجرمين إلا السيف .

قال الأستاذ محروس في حزن :

ـ آخر الدواء الكيّ .. فقد فعلوا ويفعلون بأهلنا مثل الأعداء .. يفعلون ما يفعله العدوّ بعدوّه .

قال أنس :

ـ المهم ، يا أستاذي الجليل ، أن نكون واعين ، أن نحذّر الشعب منهم ، وأن نتصدّى لهم .

قال الأستاذ محروس في ابتسامة حزينة :

ـ الحمد لله الذي وهب الشعب طلاباً نابهين واعين عقلاء أمثالكم .. أنا لا أخاف من أولئك الأوباش ، ولا من الغزاة الخارجين ، لا أخاف منهم ومن أساطيلهم البحرية والجوية ، ولا من دباباتهم وقواتهم البرية ، مادام في الشعب أمثالكم يا شباب .. سوف يحاولون احتلال بلادنا السورية ، واللبنانية ، والعراقية ، وسوف يسعون من أجل تقسيمها ، وهيهات كما قال أحد زملائكم قبل قليل .

نهض أحمد ، وهو يمسح دموعه بأصابعه الناصعة البياض :

ـ خسئوا ، أستاذ ، خسئوا .. سوف تكون بلادنا مجموعة من المقابر الواسعة لهم .. سوف يتصدّى لهم الثوار الوطنيون الذين يدافعون عن الوطن ، أرضاً وشعباً .. سوف يدافعون عن أرضنا .. عن أمهاتنا .. عن أرض الأجداد .. عن أرض الأنبياء .. عن أرض البطولات ..

صفّق الأستاذ وصفّق معه التلاميذ ، بينما تابع زميلهم أحمد كلماته المؤثرة :

ـ سوف يقتل الثوار كل الغزاة .. لن يتركوا واحداً يعود إلى بلاده إلا وهو في النعش .

صفّق الأستاذ محروس بحرارة ، وصفّق معه تلاميذه ، وهتفوا لأرض الأجداد ، ثم قال محمود :

ـ ونحن لسنا صغاراً يا أستاذ .. سوف ندافع عن أرضنا وأهلنا ، ولو بأسناننا وأظافرنا هذه .

والتفت محمود إلى زملائه يسألهم بقوة :

ـ أليس كذلك يا رجال .

وجاءته الإجابات من عن يمينه وشماله ، ومن أمامه وخلفه ، وكلها تؤكد أنهم رجال ، وثوار ، وسوف يدافعون عن أرضهم وشعبهم .

واغرورقت العيون بالدموع ، وغسلت الوجوه الوضيئة البريئة ، ولم يستطع الأستاذ محروس أن يعلّق بكلمة ، فأشار بكلتا يديه إلى الباب ، وكأنه يقول لهم :

ـ تفضلوا يا رجال .




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2015                    

www.al-fateh.net