العدد 303 - 01/11/2015

ـ

ـ

ـ

 

تأليف : حمدي عمارة

أعلنت مدرسة " فارس " عن رحلة إلى حديقة الحيوان ، وسرعان ما اشترك " فارس " وصديقه " خالد " .. لكم حلم " فارس " بزيارة الحديقة ، هذا العالم الساحر ، الذي لم يزره من قبل . كان " فارس " يعدّ الأيام ؛ التي كانت تمضى في بطء وتثاقل ؛ كسلحفاة عجوز ! .. وفي ليلة الرحلة ، أعدّ أدوات اللعب ، وقامت أمه بتجهيز " السندويتشات " ، والمشروبات ، وخلافه .. واستقبل الصباح بابتسامة مشرقة أضاءت محياه ! .

رقص قلبه ، حين استقل الحافلة مع صديقه " خالد " وزملاء الفصل .. كم كان بودّه لو قطع المسافة إلى الحديقة طائرا ! . وشارك زملاءه الأناشيد والأغاني الجميلة .. وما أن سعى داخل الحديقة ؛ لتتبدل فرحته حزنا وكمدا ، وتنقلب سعادته همّا وغمّا ! ..

سبحان الله ! ، ما بين غمضة عين وانتباهتها ، يغيّر الله من حال إلى حال .. ترى ما السبب ؟ .. كان تبدّله المفاجئ لحظة دخوله بيت الأسد ، وحين رآه على حالة لم يكن يتوقعها ، ليحدث نفسه في دهشة :

ـ " الأسد حبيس خلف القضبان . مستحيل !.. حقيقة هذه أم خيال ؟! .. أكاد ألا أصدق .. ماذا فعل الأسد ؛ ليلق هذا المصير ؟! " ..

وأخذ يتأمل الأسد ، الذي بان في عينيه الحزن والأسى ، وراح ينقل بصره بين المشاهدين ، وكأن لسان حاله يقول :

ـ " ماذا صنعت لكي تسلبون منى حريتي ؟ " ..

لم يلحظ " خالد " ما ألمّ بصديقه ، ولم يشأ " فارس " أن يعلق أو يُبدى استياءً .. ومضى مع زملائه إلى بيت الدب.. جعل يتأمله وهو يلفّ ويدور ، كأنما أصابه الجنون :

ـ " والدب أيضا ؟! .. يبدو حزينا بائسا ! .. لقد خلقت الوحوش لتعيش في الغابات ، وترتع في الصحارى والفلا ، وليس خلف القضبان .. مسكين هذا الدب ، والأسد أيضا ! " ..

لم يحتمل " فارس " رؤية تلك المشاهد التي آلمته ألما شديدا ، ولذا لم يواصل جولته لمشاهدة الوحوش السجينة ، والتي لم تقترف إثما ، ولم ترتكب ذنبا .. وجلس فوق أحد المقاعد ، مواصلا حديثه إلى نفسه ، ومستنكرا :

ـ " والنمر حبيس بالطبع ، والببر ، والفهود ، والحمير الوحشية ، والنسانيس .. كل الوحوش والحيوانات ! " ..

استغرب " خالد " تصرف صديقه ، ففزع من أجله ، إذ رآه يبتعد دون كلمة أو إشارة ، وراح يسأله :

ـ لم توقفت يا " فارس " ؟! .. هل أصبت بوعكة ؟! ..

تردد " فارس " في بادئ الأمر ، ثم قال :

ـ فعلا يا " خالد " إنني .. إنني أشعر بالتعب .. أشكرك .. تفضل باستكمال الجولة مع الزملاء ..

قال " فارس " الصدق ، ولم يكذب على زميله ، وما كذب قط .. ذلك لأنه بالفعل شعر بتعب نفسيّّ .. ومع ذلك ، فقد اعتذر لصديقه بينه وبين نفسه ! :

ـ معذرة " خالد " ؛ فالأمر شخصيّ ، وقد لا تقدّر مشاعري .. ويعزّ علىّ أن أحرمك من استكمال الرحلة ..

ويعود " فارس " ؛ ليواصل تساؤلاته :

ـ " ولكن ، لم يحبس الإنسان الوحوش ؟! .. الرد لا يحتاج إلى تفكير .. فماذا إلا للتسلية وتمضية أوقات الفراغ ! .. أيتسلون على حساب وحوش حبيسة ذليلة ؟! ، أيضحكون على أعاجم بائسة وحزينة ؟! .. لقد خلقها الله حرة ، كما خلق الإنسان ! .. لن تستسلم الوحوش هكذا ، وذات يوم ستحطم القضبان ، وتولى الأدبار " ..

ويأتي إلى سمعه أصوات عصافير الكناري :

ـ سووووو .. سووووو ! ..

ـ أسمع صوت عصافير الكنارى ! ..

فسعى إليها .. وجعل يتأمل القفص في حزن :

ـ والكناري أيضا ؟! .. يا للأسى ! ..

ـ سووووو .. سووووو .. سووووو .. سووووو .. سووووو .. سووووو !

وما زال " فارس " يحدث نفسه في حيرة ولوعة :

ـ " يسمّونها عصافير الجنة .. وكيف يحبسونها ؟! .. البلابل أيضا حبيسة والعنادل والحسون والزريق والوروار والزرزور .. حتى الطيور التي نزين الحدائق والفضاء ، وتملأ الأفاق بالأغاريد والأهازيج العذبة ! .. يا للقسوة ! " ..

ويرنو " فارس " إلى عصفورين ، أحجما عن الطيران داخل القفص ، وينصت إليهما :

ـ سووووو .. سووووو .. سووووو ! ..

ويعبّر عما يجيش في صدره وخلجاته :

ـ " يحسبونها تشدو .. ولكنها تصرخ .. أجل تصرخ .. وتبكى بغير دموع ! " ..

وبعين خياله ، يرى سربا من الأطيار الحرة التي نجت من الأسر ، تطير في الفضاء الرحب الفسيح ، ثم تتقافز فوق الأغصان ، وتحلق فوق الشطآن .. وتلتقط الحَب من الغيطان .. وترتوي من مياه الغدران .. ثم تشدو بأعذب الألحان ! :

ـ يا الله ! .. للطيور أجنحة كي تطير في الفضاء !.. لقد خلقها الله حرة ، ويحبسها الإنسان !..

ثم يتتبع ثلاثة من عصافير الكناري تقف فوق الغصن وتشدو :

ـ عجبا ! .. لقد سمّاها الإنسان الطير، ثم يحبسها ويحرمها من الطيران ! .. كيف ؟! ..

واتخذت الرحلة طريق العودة .. ورجع " فارس " إلى منزله مهموما محزونا .. لم يخلع ملابسه ، وظل ساهرا مطرق الرأس ، يفكر في أمر عصافير الكناري ، وسؤال يلحّ عليه :

ـ " هل تستطيع الكناري الضعيفة أن تحطم القفص الحديدي ؟! .. كلا بالطبع ، ولكن إلى متى تظل الطيور حبيسة هكذا ؟! .. إلى متى ؟! " ..

لم يجد " فارس " حلا ، أو بارقة أمل ، لينقذ الكناري والطيور الحبيسة ، إلا أن تقطر عيناه الدموع تأثرا .. ويقضى ليلة مؤرقة ، ومشهد الكناري لا يفارق خياله .. ثم طواه النعاس .. وما زال صراخها يرن في أذنيه ! :

ـ سووووو .. سووووو .. سووووو ! ..

ـ إنها تستنجد بي ! .. أجل ! .. يجب أن أساعدها على الخلاص ..

وغادر " فارس " الفراش ، وفتح النافذة ! ، وصراخ الكنارى على أشده :

ـ سووووووو ! .. سووووووو ! ..

ـ كفوا عن الصراااااخ !

ويطير " فارس " محلقا بجناحيه.. كان القمر بازغا .. وصوته يجلجل في الفضاء :

ـ إني قااااادم م م م ! ..

ويفتح " فارس " قفص الكناري ، وكل أقفاص الطيور .. صائحا :

ـ طيري طيري .. يا عصافير الكناري ! ..

أسراب الطيور تحلق في الأفق .. وتغنى نشيد الحرية .. ويصدح الكروان :

ـ الملك لك يا صاحب الملك ..

وهاهو " فارس " وقد علته الفرحة ، بينما تتألق عيناه بالدموع .. ينقر عصفور الكناري زجاج النافذة .. يصحو " فارس " من نومه ، وينظر إلى النافذة ، وقد علته ابتسامة ، ويهتف في فرحة :

ـ عصفور الكناري ! ..

يفتح " فارس " النافذة ، فيدخل عصفور الكناري ، ويحلق فوقه :

ـ سوسو سوسوسو ! .. سوسو سوسوسو ! ..

لم يكن صراخا ، أو بكاءً بغير دموع ، وإنما كان غناءً عذبا يعبّر عن السعادة ، والحرية ، وتألقت في عيني " فارس " ابتسامة رائعة ! .




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2015                    

www.al-fateh.net