العدد 306 - 15/12/2015

ـ

ـ

ـ

 

قصة : د. طارق البكري

رسم : يزن قمر

تروي حكاية رجل كان سيداً في قومه، شغله الشاغل تربية الطيور الكبيرة، كان يسافر من بلاد إلى بلاد، بحثاً عن الطيور التي يهواها ويأتي بها إلى بلاده.. متنقلاً على قدميه تارة، وعلى الحمار تارة أخرى، وعلى الجمال تارة ثالثة...

أمَّا المَرَاكب الشراعية الصغيرة منها والكبيرة فكان يركبها إذا صادف بحراً أو نهراً.. أي كان يركب ما توفر له من مركب، غبر عابئ ببر أو بماء.. في الصحراء يمشي.. وفي الغابات والبراري يمشي.. إلى الوديان ينزل وعلى الجبال يتسلق وفي السهول يمضي، لا يعيقه في سيره إنس ولا جان..

قادته الرحلات إلى قمة الجبل، حيث كان القصر شامخاً بكبرياء.. لكنه كان غير مأهول في ذلك الزمان، وكان الناس يعتقدون بأنَّ القصر يسكنه وحش كبير، لذا كانوا يبتعدون عن القصر ولا يقتربون منه، وكانوا في الليل يسمعون أصواتاً غريبة تنبعث من داخل القصر مما كان يزيد خوفهم ورعبهم..

كانوا يشاهدون في الليالي المقمرة شيئاً ضخماً يشبه طائر (العنقاء) الشهير في الأساطير، يخرج من القصر ويحوم فوق الغابة يملأ الوديان والتلال زعيقاً كأنه يبكي ثم يعود بعد أن يفرغ ما قلبه من صراخ ويختفي في ظلام القصر..

وعندما وصل الرجل إلى هذا المكان.. وعندما سمع بقصة هذا الطائر الخرافي الضخم.. لم يقدر على منع نفسه من محاولة الدخول إلى القصر لاكتشاف حقيقة هذا الطائر.. كان يمني النفس بأنَّه يقدر على أسر هذا الطائر الغريب، كما فعل مع كثير من الطيور في رحلاته الكثيرة حول العالم، ليضمه إلى مجموعاته المتعددة من طيور حية أو طيور محنطة..

وبعد أن اقترب صياد الطيور الماهر من سور القصر.. وكان الناس مستغربين من جرأته لأنه هالك بلا شك باعتقادهم.. فتح الرجل باب السور الحديدي بصعوبه.. فانطلق في الأرجاء صوت صرير قوي بعد زمن طويل من ابتعاد الناس عنه.. دخل الرجل حديقة القصر واختفى عن الأنظار، وارتفعت الأصوات التي كانت تتردد من داخل القصر في هذه اللحظة، وبدت كأنها تتعارك مع بعضها..

مرت ثوان معدودات.. ثم سمع الناس من بعيد صيحة هائلة قذفت بالصياد لعشرات الأمتار خارج القصر، وسقط فوق كومة من القش فأصيب برضوض بسيطة، ولولا كومة القش لتكسرت عظامه فيما لو سقط على إحدى الصخور المتناثرة في كل مكان..

لكن ما حدث لم يثن الصياد المغامر عن تكرار المحاولة..

بعد أيام.. استعاد عافيته فتوجه نحو القصر مرة أخرى دون أن تمنعه تجربه السابقة، حمل معه هذه المرة شبكة كبيرة، وكيساً ضخماً، مصمماً على أن لا يعود إلا وقد انتصر على ذلك الطائر، ومضى في طريقه وكأنه ذاهب إلى حرب ضروس..

عندما اقترب لم يدخل من باب القصر الرئيسي الذي دخل منه المرة السابقة..

توجه إلى الناحية الخلفية من القصر، وألقى بحبل طويل في رأسه حديدة علقت في حافة إحدى الغرف في الدور الأول، تسلق الرجل الحبل بمهارة بالغة ثم دخل الغرفة واختفى. وكان أهل القرية يتابعون ما يحدث بعدما تركوا بيوتهم وحقولهم وأشغالهم ليشاهدوا ما سيحدث.

لم يسمع الناس أصواتاً مرعبة مثل المرة الماضية.. ولم يسمعوا صيحة هائلة.. بل كان القصر هادئاً غير غير عادته..

مضت دقائق طويلة وكأنها ساعات.. دون أن ينطلق صوت واحد.. ولحظات الانتظار تمر بهدوء مثل السلحفاة، وتشتد بطئاً عندما يترقب الإنسان أمراً هاماً ينتظره بشغف.. وفجأة عادت الأصوات المرعبة تنبعث من داخل القصر مثل سابق عهدها.. ظن الناس أن الطائر قضى على الصياد، فحزنوا عليه كثيراً، وأثنوا على شجاعته، لكنهم في المقابل لم يكونوا موافقين على ما فعله، وذكروا أنهم نصحوه بعد الاقتراب من القصر..

وفي الصباح التالي.. وكان صباح مشمساً جميلاً.. وفيما كان الناس يقصدون حقولهم وأعمالهم وهم يترحمون على الرجل الصياد معتقدين بوفاته.. فوجئوا بظهور الصياد نفسه، وكان يرتدي ثياباً قديمة جداً لكنها أنيقة وثمينة.. أصابتهم الدهشة، لكن الصياد هدأ من روعهم.. أخبرهم أنه لم يمت ولم يصب بأي أذى.. غير أنه اكتشف شيئاً عجيباً، وهو أن ذلك الطائر الذي كانوا يخافون منه طائر رائع، لطيف جداً، لكنه هو أيضاً يخاف من الناس، يعتقد أنهم سوف يؤذونه، لذا فإنه يسكن القصر منذ زمان بعيد ويخشى الاقتراب من الناس خوفاً على نفسه من الهلاك بعد أن رآهم يصطادون الكثير من الطيور ليأكلونها.. 

وقال الصياد:

"إن الطائر ليس بالحجم الكبير كما تعتقدون، هو طائر عادي، يشبه البطة السمينة، ويصيح باستمرار، لكن صوته ليس مخيفاً، بل المخيف هو الصدى الذي ينبعث من القصر الكبير الذي يجعل الصوت بهذه الضخامة"..

وأضاف:

"ولا يعني ذلك أنَّه ليسَ قوياً بما فيه الكفاية ليقضي على مجموعة أشخاص دفعة واحدة، لكنه مع كل تلك القوة التي يملكها، هو من أجمل الطيور وأكثرهم لطفاً ودلالاً.. والأجمل من كل ذلك أنه يحب قريتكم مثلكم تماماً، وكان عندما يخرج محلقاً يحضر لكم الكثير من البذور لأنواع كثيرة من الأشجار والنباتات والزهور ثم يرميها على التلال والوديان من حولكم، مما وفر لكم الكثير الكثير من الأعناب والثمار المختلفة"..

وقال: "لقد أخبرني بلغته، وأنا أفهم لغة الطيور؛ أنه يحبكم.. لكنه يخاف أن تقتلوه كما تفعلون عادة بالطيور لتأكلوها.. وهو يريد منكم عهداً أن تحافظوا على الطيور، وسوف يساعدكم بزراعة أرضكم، وينثر لكم البذور الطيبة في دقائق وهي تأخذ منكم ساعات لكل حقل.. كما أن لديه مجموعة من الأصدقاء الطيور تعيش داخل القصر لديها خبرة طويلة بالزراعة، سوف تجعل من بساتينكم عامرة بالخيرات على مدار العالم، لا في المواسم فقط"..

فرح الناس فرحا عظيماً بما قاله الصياد، وتعاهدوا منذ ذلك الحين مع الطائر الخرافي العجيب على احترام عالم الطيور، وعدم اصطيادها.. فهي الطبيعة الجميلة التي تتعاون مع بعضها، من مخلوقات خلقها الله تعالى لتستفيد من بعضها بعضاً، فلا يسيء الواحد منها للآخر، ولا يعتدي لأن الله لا يحب المعتدين، فيتعامل مع كل شيء من حوله بقدر وبحساب وبوعي وإيمان..

ومنذ ذلك الوقت أصبح الناس أصدقاء مع الطائر العجيب، كما أن الصياد لم يأسر الطير الجميل رغم حرصه على ذلك، بل تركه لأهميته بالنسبة لسكان القرية، وكان يعينهم على زراعة الأرض ورعايتها.. كما كان يحذرهم من العواصف قبل وصولها بعد أن يشاهدها من بعيد وهو يحلق في الفضاء..

وظل هذا الطائر ينعم بالحياة بين أناس يحبهم ويحبونه زمنا طويلاً.. حتى حان أجله.. ودفن في ناحية من نواحي القصر ضاعت معالمها مع مضي العقود والقرون.. ولم يبق من أثر له سوى هذه القصة الغريبة..




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2015                    

www.al-fateh.net