العدد 318 - 15/06/2016

ـ

ـ

ـ

 

الحلقة 39

وقف الأستاذ محروس متجهماً أمام تلاميذه ، وجال بعينيه في وجوههم البريئة ، ثم قال :

ـ سامحوني يا أبنائي ، لأني نسيت أن أبدأكم بالسلام ، فالسلام عليكم ورحمة الله .

وردّ التلاميذ بأصواتهم الرفيعة الحادة :

ـ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .

أنس : عفواً أستاذ .. لم نتعود على أن نراك عابساً ، إلا لأمر خطير ، فما السبب أستاذ ؟

الأستاذ : نحن الآن في شهر رمضان ، أليس كذلك ؟

التلاميذ : بلى أستاذ .

الأستاذ : عظيم .. خففتم عني بعض الشيء ، بجوابكم الصحيح الفصيح : بلى ، ومن منكم يذكرنا بالقاعدة ؟

ارتفعت عدة أصابع ، وأشار الأستاذ إلى التلميذ أحمد ، فوقف أحمد وقال :

ـ لأن الاستفهام هنا منفي ، والجواب على الاستفهام المنفي يكون بـ : بلى التي معناها : نعم .

فرح الأستاذ محروس بجواب تلميذه ، وأثنى عليه وعلى سائر التلاميذ ، ثم قال :

ـ قبل أن آتي إليكم ، كنت أقلب صفحات إحدى الجرائد ، فرأيت رسمة كاريكاتير هزّتني هزاً .

محمود : عن ماذا تعبّر أستاذ ؟

الأستاذ : عن أسرة مؤلفة من ذكر سمين ، وأنثى سمينة مثله .

أحمد : يعني الأسرة مؤلفة من رجل وامرأة ..

الأستاذ : الله أعلم ، أما أنا فقد رأيتهما في الرسمة : ذكراً وأنثى .. الذكر في (المول) يدفع أمامه عربة مليئة بألوان الطعام ، وزوجته السمينة تحمل كمية كبيرة من الطعام ، وترميها في (الحاوية) لو وُزِّع على الأسر الفقيرة ، لكفى عشر عائلات كبيرة .

مصطفى : ولماذا يرمون الطعام في الحاوية ؟

أنس : لماذا لا يوزعونه على الفقراء ، وما أكثرهم عندنا ؟

أحمد : اسألها يا أنس .. اسأل تلك الأنثى ..

مصطفى : أنا أريد أن أسأل زوجها الذكر .

الأستاذ : في بلد شقيق مجاور ، حكى لي أحد الأصدقاء عن وليمة عرس فيها مئة خروف محشي .. كم ؟

التلاميذ : مئة خروف محشي .

الأستاذ : وكم ذكراً حضر تلك المائدة ، وأكل منها ؟

مصطفى : حوالي عشرة آلاف .

الأستاذ : حضرها .. حضرها .. كم عدد الحاضرين يا أنس ؟

أنس : ألف ذكر وأنثى .

الأستاذ : حضرها ستون ذكراً وأنثى .

أنس : فقط ؟

الأستاذ : فقط يا أنس .. وكم أكلوا من تلك الخرفان المشوية؟

مصطفى : أكلوا عشرة خرفان .. كل ستة على خروف .

أنس : يا شيخ .. ستة أشخاص يأكلون خروفاً ؟

محمود : الستة لا يأكلون فخذاً .

الأستاذ : المهم .. أنّ كل واحد منهم نهش من الخروف الذي أمامه نهشة أو نهشتين ، ثم قاموا عن المائدة ، وبقيت الخرفان المحشية بالرز الفاخر ، والمكسرات الفاخرة ، على حالها .

أحمد : وماذا فعلوا بها أستاذ ؟

كامل : ليتنا كنا معهم ، لنأكل منها ما يكفينا إلى آخر يوم من أيام هذا الشهر الفضيل .

عزيز : في رأيي ، صار شهر رمضان المبارك شهر أكل وشرب وملء للكروش .

أنس : المهم .. أن ألف عائلة فقيرة أكلت تلك الخرفان .

قال الأستاذ محروس ، ودموعه تغسل خديه :

ـ يا ليتهم أطعموها الفقراء .. يا ليتهم أطعموها الفقراء .. يا ليتهم أعطوها للجمعيات الخيرية .. لدار الأيتام ..

أنس : إذن .. ماذا فعلوا بها .. هذه الخرفان تحتاج إلى خمس مئة ثلاجة ..

الأستاذ : اقترح صديقي الذي كان يعمل محاسباً للشركة التي يملكها صاحب العرس ، اقترح عليه أن يتصل ببعض الجمعيات الخيرية لتأخذها وتوزعها على الأسر الفقيرة ، فاستنكر صاحب العرس هذا الاقتراح وأمر صديقي الذي يعمل عنده ، أن يتصل بالبلدية ، وتأتي بسياراتها سيارات الزبالة ، لتأخذ الخرفان وكل ما كان على المائدة ، فصرخ صديقي في وجه معلمه صاحب الشركة وصاحب العرس :

ـ لترميها على المزابل ، وتأكلها القطط والكلاب ، ونحرم الفقراء والأيتام والأرامل منها ؟ هذا لا يجوز , هذا حرام ..

فصرخ الذكر صاحب الشركة والعرس في وجهه :

ـ نفذ ما أمرتك به .

وردّ عليه صديقي :

ـ أنا مسلم أخاف الله ، ومن المستحيل أن أنفذ لك هذا الطلب.

وكان التسريح من الشركة نصيب صديقي .

وكانت النيران من نصيب شركة صاحب العرس ، فقد التهمت النيران الشركة بكل ما فيها من مواد ، وأوراق ، ومستندات،وأموال نقدية.

زغرد بعض الطلاب فرحاً ، وهتف بعضهم الآخر هتافات ضد أولئك الذكور والإناث الذين لا يخافون الله المنتقم الجبار ، ولا يرحمون الفقراء في هذه الأيام الرمضانية التي جعلها أولئك الأوباش أياماً وليالي لملء كروشهم بأطايب الطعام حتى التخمة ، حتى يكاد الواحد منهم يموت من كثرة ما أكل ، فيما آلاف الأسر الفقيرة تتضور وتموت من الجوع .




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2016                    

www.al-fateh.net