العدد 319 - 01/07/2016

ـ

ـ

ـ

 

الحلقة 40

وقف الأستاذ محروس أمام تلاميذه ، وعلامات الفرح والحزن تحتلان ملامح وجهه بالتناوب ، وقد لاحظ تلاميذه هذا ، فسأله محمود :

ـ هل أنت حزين أم فرحان يا أستاذ ؟

ابتسم الأستاذ محروس وقال :

ـ أنا حزين وفرحان يا محمود .. ملاحظتك في محلها .

ـ لماذا أنت حزين يا أستاذ ؟ رمضان مودع والعيد هاجم علينا ..

الأستاذ : لهذا أنا حزين ..

ـ حزين لقدوم العيد أستاذ ؟

الأستاذ : أنا حزين لأن شهر رمضان ، شهر الخير والبركة والرحمة يودعنا ، ولا ندري هل سنبقى أحياء لنصومه في السنة القادمة ؟

أنس : توكل على الله أستاذ .. طبعاً سوف نبقى أحياء ، إن شاء الله ، ونصومه في السنة القادمة ، وفي عشرات السنين القادمة أستاذ ، فأنت في عز شبابك ، ونحن كذلك شباب .

مصطفى : ولكن سيدنا عزرائيل لا يفرق بين صغير وكبير .. عنده دفتر ومجموعة أزرار ، كلما جاء أجل ، كبس على الزر الذي أمامه ، فأنا مثلاً مات أخي الصغير وعمره عشر سنين ، وأنا أكبر منه بست سنين لم أمت ، وأبي ما يزال حياً ، وجدي حي يرزق . بارك الله في أعمارهما .

الأستاذ (في حزن) : وخاصة في هذه الأيام الصعبة التي نعاني فيها من الاحتلال الصهيوني اللعين ، فرصاصه ، وقنابله ، وطائراته تحصد كل يوم عدداً من الأطفال والنساء والشيوخ .

أحمد : والشباب أستاذ ؟

الأستاذ : الشباب يستشهدون في المعارك ، فهم أحياء عند ربهم يرزقون .

أنس : يا حرام .. استنزفوا شباب العرب في فلسطين ، وسورية ، والعراق ، ومصر ، واليمن .

مصطفى : تابع يا أنس .. كذلك شبابنا في ليبيا ، ولبنان ، والجزائر ، كلهم يُقتلون .

الأستاذ : وهكذا أنتم زدتم أحزاني .. كنت حزيناً لوداع شهر رمضان ، والآن زدتم أحزاني ، فلم تبق عندي ابتسامة واحدة لأجل العيد .

محمود : أصلاً لا يوجد عيد في البلاد العربية والإسلامية ، ملا يين من السكان هربوا بأطفالهم ونسائهم إلى البلدان المجاورة ، بسبب القتل .. روسيا جاءت بطائراتها ، وصواريخها ، وبوارجها ، وقنابلها العنقودية ، وقنابلها الفسفورية ، وفي كل يوم تقتل وتجرح المئات من الشعب السوري الشقيق .

مصطفى : يا ويل الروس من عذاب الله ، ومن الشعب السوري الذي لا ينام على ضيم ولا على ثأر .

أنس : هذا عدا من يقتلهم النظام السوري بشبيحته ، وطائراته ، وبراميله المتفجرة ، ودباباته ، وصواريخه .

محمود : لا تستحي يا أنس .. لماذا لم تذكر سلاحه الكيماوي الذي قتل به آلاف الأطفال والنساء والشباب ؟ .

أحمد : ونسيتم إيران الكافرة ، وميليشياتها القادمة من لبنان ، والعراق وأفغانستان واليمن .

مصطفى : لذلك نرى أكثر الناس عندنا يستذكرون قصيدة المتنبي في العيد ، وخاصة قوله الرائع الذي يتحدث عن أحوالنا :

عيد بأيّة حال عدت يا عيد ؟ = بما مضى ؟ أم بشيء فيك تجديد

أما الأحبة فبالبيداء دونهمو = فليت دونك بيداً دونها بيد

سمع صوت بكاء ، فنظر التلاميذ إلى مصدر الصوت ، وإذا هو صوت الأستاذ محروس الذي لم يتحمل ما يسمع ، فبكى بصوت عالٍ سمعه كل الطلاب ، فبكوا لبكاء أستاذهم ، ولكن الأستاذ محروس مسح دموعه بمنديل نظيف ساطع البياض كان في جيبه ، ثم قال في تماسك :

ـ لا تعجبوا من بكائي ، فالرجال تبكي ، لأنهم يحملون في قلوبهم عواطف جياشة ، وكما قال الشاعر :

تبكي الرجال ولا تبكي التماثيل

صاح أنس :

ـ الله .. ما أعظم هذا الكلام !

تبكي الرجال ولا تبكي التماثيل

أحمد : أنا أعرف بعض (الزلم) بلا قلوب ، بلا عواطف ، بلا مشاعر وأحاسيس ، لا تؤثر فيه المصائب والكوارث ، لأنه لا يحسّ بها ، وجهه يقطع الرزق ، وهو دائما كالكلب المسعور في بيته ، وفي عمله ، ومع جيرانه .

الأستاذ : أعوذ بالله من شر هكذا ذكور .

أحمد : رائع أستاذ .. هذا وأمثاله مجرد ذكور ، مثل الحمير ، والبغال ، والضباع والذئاب وسواها من ذكور الحيوانات المتوحشة .

عادل : يا ليت الروس واليهود والمجوس يقتلون أمثال هؤلاء الأوباش .

أنس : كيف يقتلونهم ؟ كأنك تريدهم أن يقتلوا أنفسهم ، فهم هم الأوباش .

الأستاذ : أصحاب القلوب القاسية ، والألسنة البذيئة ، والتصرفات اللاإنسانية، هم مثل الضباع والذئاب والخنازير ، قاتلهم الله ، وخلص الناس منهم .

عادل : يا ليت .. يا ليت ..

الأستاذ : هيا إذن إلى بيوتكم ، وقولوا لأهلكم :

ـ لا نريد أن نعيّد ، لأن أعيادنا ليست أعياداً . لا نريد ألبسة جديدة .. لا نريد حلويات ، لا نريد أن نأكل اللحم .. وإذا سألوكم : ماذا تريدون إذن ؟ فقولوا :

نريد أن نتبرع بأثمانها لإخواننا المشردين الذين لجؤوا إلى ديارنا .. تركوا بيوتهم وقصورهم وسياراتهم وأعمالهم ولجؤوا إلى ديارنا .. نريد أن نكرمهم ، نريد أن نخفف عنهم ..

وقف الأستاذ محروس قليلاً يتأمل تلاميذه ، ثم قال :

ـ عندما أتصور أني وأنكم وأن أولادنا وأهلنا صار بهم مثل ما صار بأهلنا السوريين ، أمسك رأسي بين يديّ خوفاً عليه من الانفجار ..




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2016                    

www.al-fateh.net