العدد 324 - 15/09/2016

ـ

ـ

ـ

 

د. طارق البكري

كان عامر يجلس في غرفته يشاهد برنامجا علمياً عن الكيمياء.. سمع لأول مرة اسم العالم العربي جابر بن حيان.. ووصفه البرنامج بأنه شيخ الكيميائيين العرب.. كان عامر يعتقد مثل كثير من الناس أن الكيمياء كلها جاءت من الغرب المتقدم في عصرنا.. فاستغرب، وحزن لأنه لا يعرف شيئاً عن هذا العالم الكبير..قرر عامر أن يدخل الإنترنت ليبحث عما اسماه البرنامج مؤسس علم الكيمياء..

دخل عامر مواقع كثيرة.. وراح يقرأ الكثير.. فكان سعيداً باكتشافه.. وقضى وقتاً ممتعاً يتنقل من معلومة إلى معلومة.. فتأخر الوقت.. وشعر بالنعاس.. فنام.. وصارت الأحلام ترواده..ورأى عامر في منامه العالم العربي جابر بن حيان وهو طفل صغير يجلس في محل والده حيان المتخصص في صناعة الدواء.. يراقب عمل والده المفيد للناس..

لاحظ عامر السعادة التي كانت تغمر جابر عندما يرى في عيون الناس تقديراً واحتراماً كبيرين لوالده وعمله.. فقد كان والده مخلصاً في عمله.. يعمل بجد ومحبة ووفاء من أجل تخفيف آلام المرضى وتأمين الدواء لهم.. لأنه لم يكن همه ربح المال ولا الربح ولا التجارة..

وشاهد عامر في منامه كيف نشأ جابر في اليمن في الطرف الجنوبي الغربي للجزيرة العربية، بعد أن هاجر والده من الكوفة في العراق في أواخر عصر بني أمية.. وأنه كان محباً للعلم وعمل الخير.. وأكثر ما يسعده أن يرى المرضى وقد أصبحوا أصحاء..

وكان جابر يقضي الكثير من وقته بصحبة أبيه.. ويحرص على معرفة كل الأدوية الموجودة في محله، فنشأ محباً للكيمياء لارتباط علم الدواء بعلم الكيمياء..

بعد ذلك.. انتقل جابر مع أبيه إلى منطقة خراسان.. وفيها تفرغ للعلم، وتوفر له الكثير الكثير من أسباب العلم، مثل المدرسين والعلماء والكتب الوفيرة..

فرح عامر وهو يرى جابر ملتحقاً بحلقات العلم.. منتبهاً متيقظاً.. يسجل على الورق كل ما يفيده من علوم..لكن عامر حزن لمّا توفي والد جابر بعد فترة قصيرة وكان جابر ما يزال صغيراً.. فاضطر للعودة إلى أعمامه في اليمن.. لكنّه مع ذلك لم يتوقف عن العلم.. بل بحث عن المدرسين والعلماء وتعلّم على أيديهم اللغة العربية وعلوم الدين.

وبعد أن بلغ سن الشباب انتقل جابر إلى بغداد عاصمة الدولة العباسية في ذلك الزمان، ومنها انتقل إلى مدينة الكوفة في جنوب العراق وأقام فيها واشتغل بالكيمياء وكان أشهر المشتغلين فيها.وأكثر شيء أصاب عامر بالعجب.. هو أن جابر عاش في الكوفة حياة غير مستقرة، لأنّه كان يرتحل في الليل من مكان إلى آخر، حتى ينجو من أعين المتطفلين الذين كان يزعجونه باستمرار في معمله بحثاً عن الذهب.

واكتشف عامر في منامه أنّ سبب هذا التطفل، يعود إلى أنّ جابر كان يعيش في فترة زمنية شاع فيها الاعتقاد بين الناس، بل الكيميائيين أنفسهم، بأنه يمكن تحويل المعادن الرخيصة مثل الحديد و النحاس إلى ذهب أو فضة، وذلك من خلال مادة مجهولة الخواص تعرف باسم الإكسير أو حجر الفلاسفة.

ولمّا كان جابر أحد النابهين في الكيمياء فقد كان عدد كثير من الناس يعتقدون أنّ معمل جابر مليء بالذهب. وكانت الكيمياء في عصره تستند إلى أفكار غير صحيحة، لكن ابن جابر لم يؤمن بكثير من الاعتقادات الخرافية... وتمكن من التمييز بين الحقيقة والخيال في الكيمياء..

ورأى عامر كيف أنّ جابر ابتكر العديد من الأدوات والأفكار العلمية، كما توصل على كثير من الحقائق، من تطوير صناعة الفولاذ، إلى الصباغة والدباغة وتقويم الزجاج، ومنع الصدأ، وكشف الغش في الذهب... وغير ذلك كثير كثير من الفوائد العلمية التي جعلت العالم كله يقر بفضله وسبقه. حتى استحق لقب شيخ الكيميائيين العرب.

وعندما استيقظ عامر في الصباح الباكر.. وهو سعيد جداً لأنّه رأى جابر في منامه وقرّر أنّ يكتب بحثاً صغيراً يوزعه على أصدقائه في المدرسة. وذهب عامر إلى مكتبة المدرسة.. وبحث عن معلومات عن الكيمائي العربي الكبير جابر بن حيان.. فاكتشف أنّه آمن بأهمية إجراء التجارب كسبيل علمي دقيق للوقوف على الحقائق، بعد أن تخلى عن منهج التأمل غير المفيد.. ورأى أن دراسة العلوم الطبيعية أساسها التجربة. وعرف أنّه كان أوّل من أدخل التجربة العلمية المخبرية في منهج البحث؛ وكان ينصح الطالب بالقول: "أوّل واجب عليك أن تعمل وتجري التجارب، لأنّ من لا يعمل ويجري التجارب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان، فعليك بالتجربة لتصل إلى المعرفة".

 ومع أهمية التجربة فإنّ جابر كان يقول: "التجربة وحدها لا تكفي لتصنع عالماً، بل لا بد من أن يسبقها الفرض العلمي الذي يصنعه العالم، ثم التجربة بعدئذٍ هي المحك".. ويقول: "إياك أن تجرب أو تعمل حتى تعلم، ويحق أن تعرف الباب من أوله إلى آخره بجميع تقنيته وعلله، ثم تقصد لتجرب فيكون بالتجربة كمال العلم".




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2016                    

www.al-fateh.net