العدد 325 - 01/10/2016

ـ

ـ

ـ

 

د. طارق البكري

كان نعسان يسير في الطريق وجبينه يتصبب عرقاً من شدة الحر..

شاهد بائع مثلجات جوالاً يركب دراجة هوائية ويدفع بصندوق المثلجات أمامه....

أشار نعسان إلى البائع أن توقف..

وبعد السلام عليه طلب منه زجاجة ماء شديدة البرودة..

قال له البائع:

"يا بني.. خذ هذه زجاجة متوسطة البرودة، فأنت صغير في السن، والجو حار جداً.. العرق يتصبب منك.. لو شربت ماء مثلجاً ستصاب بالبرد وتمرض.. هذه برودتها متوسطة.. اشرب باسم الله".

غضب نعسان وقال له:

"هذا ليس شأنك.. كيف تقول لي ما يجب أفعل وما لا أفعل!.. أنت لست ولي أمري، وأنا حر بما أفعل.. هيا أعطني ماء مثلجاً..".

قال البائع:

"لن أبيعك ماء مثلجاً.. ولو دفعت ثمنه أضعافاً مضاعفة.. أخشى أن تمرض يا ولدي..".

تأفف حسان منه.. وأخذ الزجاجة لأنه كان يشعر بعطش شديد.. وبعد أن شرب وارتوى وشعر بالرضا.. ضحك بائع المثلجات وقال له: "هنيئاً مريئاً.. لقد كانت شربة طيبة.. ولو كانت مثلجة كما طلبت لما شربتها بهذا التلذذ.. قل الحمد لله.. ومع السلامة".

وفيما كان بائع المثلجات يركب دراجته ليمضي.. ناداه عنتر بصوت مرتفع: "انتظر.. انتظر.. ألا تريد أن تأخذ فلوسك"..

ضحك بائع المثلجات.. وهز رأسه بالنفي وهو يقول: "هذه هدية مني إليك.. بالهناء والشفاء".

فكر نعسان بأنها قد تكون تجربة جميلة وتجارة رابحة لو قام هو أيضاً ببيع المثلجات.. واعتقد أنه قد يكون عملاً ممتعاً ومسلياً ومفيداً.. ويمكن أن يربح منه مالاً وفيراً..

وعندما رجع إلى بيته.. عرض فكرته على أمه وأبيه.. لكن والديه لم يقتنعا على الإطلاق بهذه الفكرة.. فهو لا يعرف كيف يبيع المثلجات.. وحذراه من حرارة الشمس..

قالا له: "إن من يبيع المثلجات في الطريق يا نعوس أناس شرفاء أقوياء أشداء.. لا بد من احترامهم وتقديرهم.. فهم يعرضون أنفسهم للخطر تحت الشمس طوال النهار في عملهم الشريف من أجل دريهمات قليلة... لكن فائدتهم كبيرة على الناس.. وخاصة الذين يكونون في حالة عطش شديد ويحتاجون للماء في وقت القيظ والحر..".

فقال نعسان: "وأنا أيضاً أريد أن أكون مثلهم"..

قال له الأب: " لكن هذا ممنوع في القانون نعوس.. ومن يبيع المثلجات يجب أن يكون لديه تصريح رسمي.. وأنت صغير ولن يسمحوا لك أبداً".

قال نعسان: "إذن سأكتفي ببيع المثلجات في الشارع القريب.. وبالنسبة للشمس، سأرتدي نظارة شمسية، وسأحمل مظلة كبيرة تقيني من أشعتها"..

لكن الأب والأم لم يقبلا بهذه الفكرة، إلا أنهما وتحت إلحاح نعسان وإصراره وافقا بشرط أن يبقى قريباً جداً من المنزل وأن لا يبتعد عن الحي.

 وفي الصباح فتح نعوس حصَّالة نقوده وأخرج منها الكثير من قطع النقود الصغيرة الورقية والمعدنية، ثم توجه إلى دكان يقع في نهاية الشارع.. واشترى منه كثير مجموعة من المثلجات والماء والعصائر الباردة، ووضعها في صندوق مخصص لذلك لكي لا تذوب بسرعة.. ثم حمل الصندوق فوق رأسه ووضع فوق الصندوق مظلة كبيرة.. وخرج ينادي

"مثلجات نعوس..

مثلجات نعوس..

مثلجات مثلجات.".

مضى وقت طويل ونعسان يقطع الشارع جيئة وذهاباً من أوله إلى آخره ثم يعود من آخره إلى أوله.. وقبل أن ينتصف النهار أصيب نعسان بتعب شديد.. وبدأت المثلجات تذوب وتتسرب من الصندوق نقطة نقطة على رأسه..

سقط نعسان على الأرض بعدما  أصابه إعياء شديد..

انقلب الصندوق على الرصيف وسالت المثلجات هنا وهناك.. وأصبحت ماء لزجاً مختلط الألوان.. والتف الناس من حوله ونقلوه إلى بيته..

وبعد أن حضر الطبيب.. وتأكد الجميع  أن نعسان بحالة صحية جيدة، وأنه لم يتعرض لضربة شمس قوية.. طلب الطبيب من أمه وأبيه أن يتركاه لينام طويلاً..

ضحكت الأم وضحك الأب من هذه المغامرة العجيبة.. وحمدا الله تعالى لأن ما أصاب ابنهما نعسان كان أمراً بسيطاً.. آملين أن يكون قد تعلم من هذه التجربة الفريدة.




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2016                    

www.al-fateh.net