العدد 329 - 01/12/2016

ـ

ـ

ـ

 

الحلقة 50

كان الأستاذ محروس متجهماً ، وكأن التجهّم أصبح ، وأضحى ، وظلَّ ، وأمسى ، وبات صفة ملازمة له . وقد لاحظ تلاميذه الأذكياء ذلك عليه في الأشهر القليلة المنصرمة ، الأمر الذي جعلهم يتفقون على مفاتحته ومصارحته في هذا .. قال أنس :

ـ أرى أن تسمحوا لي بمفاتحة الأستاذ بعد أن يدخل إلى الصف مباشرة .

وقال ثائر معترضاً :

ـ دعه لي يا أنس ، فأنت لطيف جداً مع الأستاذ .

محمود : وأنت يا ثائر ، خشنٌ جداً معنا ، وأخشى أن تتخاشن مع الأستاذ محروس.

ثائر : اطمئن يا محمود .. اطمئنوا يا زملائي ، فقد تعلمت منكم الدبلوماسية .

قُرع الباب ، ودخل الأستاذ محروس ، وقد زاد تقطيب وجهه ، وسلّم على تلاميذه ، واستدار إلى السبورة ليكتب اسم الدرس ، فبادره أنس :

ـ عفواً أستاذنا الحبيب .

التفت الأستاذ محروس نحو أنس وتساءل :

ـ خير يا أنس ؟

أنس (في ابتسام) : عندي (جوز) كلام أستاذ .

ابتسم الأستاذ قليلاً ، وقال :

ـ هات يا أنس .

أنس : من الآخر أستاذ ؟

الأستاذ : نعم .. هات من الآخر .

ثائر : عفواً أستاذنا الحبيب ، اسمح لي أنا بالكلام .

الأستاذ : لكن زميلك استأذن قبلك .

التفت ثائر نحو أنس متسائلاً :

ـ أنس هل تسمح لي بالكلام ؟

ابتسم أنس ، وقال :

ـ الأستاذ صاحب الإذن ، وليس عندي مانع أن تتكلم قبلي يا زميلي .

عادت الابتسامة العذبة إلى محيّا الأستاذ محروس ، وقال ، وهو ينقل بصره بين أنس وثائر ، وبين الطلاب الآخرين الذين كانوا يضحكون ويبتسمون في شيء من الضجيج وقال :

ـ يبدو أنّ المسألة فيها (إنّ) يا شباب ، تكلم يا ثائر .

ثائر : حالك يقطّع قلوبنا يا أستاذ .. فنحن نراك منذ بضعة أشهر ، دائم التجهم ، شديد الحزن ، وهذا يؤلمنا جداً أستاذ .

لاحظ الطلاب تقطيبة خفيفة على وجه الأستاذ ، تلتها ابتسامة حائرة ، ثم قال :

ـ أيها الشبان النبلاء الأذكياء ، ملاحظتكم في محلها ، وسبق لكم أن نبهتموني إليها .

أنس : ولكنها زادت هذه الأيام أستاذ .

الأستاذ : كلامك صحيح يا أنس ، ولكن ، ألا تلاحظ ، بل ألا تلاحظون ما يجري في هذه الأيام العوابس ؟

محمود : حتى الأطفال .. حتى البهائم تعرف ..

الأستاذ : وأنتم وأنا وكل الشعب الفلسطيني يعرف ويعاني مما جرى ويجري .

مصطفى : لأنه أوعى من كل الشعوب العربية .

ثائر : وغير العربية .

الأستاذ : ومع ذلك .. عندما أحرق اليهود قطاع غزة ، في عدة حروب ، أنتم تعرفونها ، لأنكم عايشتموها وأنتم أطفال صغار .. بيوت بعضكم أحرقها اليهود المحتلون .. طائراتهم دمّرت بيوتكم ، وصواريخهم ، ومرتزقاتهم ، وجيشهم المتوحش ، حتى المجندات الإسرائيليات ارتكبن جرائم لا تنسى بحق الشعب الفلسطيني الأعزل ، ولم نرَ الأشاوس من أشقائنا العرب ، وإخواننا المسلمين ، ولا من الغرب المتحضر ، ولا من الشرق (الصديق) مَنْ سارع للدفاع عن غزة ، وعن شعبها الأعزل .

ثائر : لكن كل الذين ذكرتهم أستاذ ، أسرعوا بإرسال طائراتهم ، ورجال الإطفاء عندهم ، لإطفاء الحرائق التي التهمت إسرائيل .

الأستاذ : لا .. لا يا ثائر .. إسرائيل كيان مغتصب ،  مجموعات من الحرامية واللصوص المجرمين ، غزوا بلادنا المقدسة ، واحتلوها ، وارتكبوا الكثير من الجرائم ، وهذه الأراضي التي تلتهمها النيران ، هي وما عليها من شجر وحيوان وحجر ، هي ملكنا ، ورثناها من آبائنا وأجدادنا .. أحرقوها ، بعد أن سرقوها منّا ، إنهم لصوص ، حرامية ، مجرمون .

أنس : لكن الأشاوس من العرب والعجم ، قاموا بالواجب ، فأرسلوا طائراتهم ، وطواقم الإطفائية عندهم ، ليقوموا بواجبهم (الإنساني) تجاه أبناء العم ، وليحافظوا على ما زرع الأجداد وما بنوا .

ثائر : لكنك نسيت يا أنس ، أن بعض (الأشقاء) (والأصدقاء) أرسلوا طيرانهم ، وصواريخهم ، لإحراق حلب .. لإحراق سورية .. لإحراق العراق .. لا ليطفئوا الحرائق التي تلتهم أهلنا في سورية ، والعراق ، واليمن ، وغيرها من بلاد العروبة والإسلام .

تحرك الأستاذ محروس نحو تلاميذه ، وقال :

ـ ومع ذلك تريدونني ضاحكاً مبتسماً ؟

لا يا شباب .. لن أبتسم ، ولن يهنأ لي عيش ، وبلادنا محتلة ، وأعداؤنا هم أحقر خلق الله .. وأعداؤنا ليسوا الإسرائيليين المحتلين المغتصبين الأنذال فقط ، بل معهم كل من يعينهم علينا من العرب والعجم ، من الشرق والغرب .

محمود : والله معنا أستاذ .

الطلاب : الله معنا أستاذ .




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2016                    

www.al-fateh.net