العدد 335 - 01/03/2017

ـ

ـ

ـ

 

الحلقة 55

دخل الأستاذ محروس غرفة الصف ، ووجهه متهلل الأسارير ، وألقى التحية الإسلامية على تلاميذه الذين يحبهم ويحبونه ، ثم قال :

ـ درسنا اليوم فيه طرافة وظرف ، أريد أن أخرجكم وأخرج نفسي الكئيبة ، مما نحن فيه من بؤس وأحزان ، جلبها لنا من لا يخاف الله ولا يرعوي عن غيّه ، من أعداء أمتنا ، وديننا ، وقيمنا ، في الداخل والخارج .

هبّ ثائر قائماً ، واستأذن في الكلام ، ثم قال :

ـ أعداء الخارج هم أعداء أمتنا وأجدادنا ، وديننا منذ قديم الزمان ، ولكن ما يجلب الأحزان والآلام هم الذين يزعمون أنهم منا ، من أبناء جلدتنا ، ويرضون أن يكونوا أجراء وعملاء لأعدائنا في الخارج ، الذين حاربوا آباءنا وأجدادنا ، وقتلوا شبابنا ، وأطفالنا ، ونساءنا ، ودمّروا عمراننا ، وأحرقوا أخضرنا ويابسنا .

رفع أنس يده ، مستأذناً في الكلام ، ثم قال :

ـ يا أخانا الحبيب يا ثائر ، دع أستاذنا الحبيب يحدثنا حديثه الذي يزيل عنا بعض الهم والغمّ .

هزّ الأستاذ محروس رأسه ، ثم استدار نحو السبورة وكتب :

درسنا اليوم : في التعبير والإنشاء ..(العرضحالجي البارع)

ثم استدار نحو تلاميذه النجباء وقال :

ـ جاء أعرابي إلى (عرضحالجي) ذكي وقال له :

مصطفى : ما معنى (عرضحالجي) أستاذ ؟

الأستاذ : الحق معكم .. العرضحالجي هو الذي يجلس على كرسيه الصغير أمام المحاكم والدوائر الحكومية ، ويستقبل أصحاب الحاجات ، ويكتب لكل واحد عن حاجته التي يريد أن يعرضها على الدائرة الحكومية المختصة ، ويأخذ ـ لقاء ذلك ـ ليرة أو أكثر أو أقل ، بحسب (الاستدعاء) التي كتبها .

أنس : يعني مثل جارنا حمدو .

الأستاذ : تمام .. مثل الحاج حمدو ، والآن نبدأ :

جاء أعرابي إلى العرضحالجي ، وقال له :

ـ أريدك أن تكتب لي شكوى ضد جاري أبو ديبو ، الذي اعتدى عليّ بالسبّ والسخرية مني .

سأله العرضحالجي :

ـ هل تريد (الاستدعاء) من أمّ الليرة أو من أم الليرتين ؟

سأله الأعرابي :

ـ وما الفرق بينهما ؟

أجاب العرضحالجي :

ـ أم الليرة يكتفي فيها القاضي بسب جارك المعتدي ، كما سبك هو .

الأعرابي : وعقوبة أم الليرتين ؟

العرضحالجي : أم الليرتين تجعل القاضي يغضب على جارك المعتدي ، ويسبّه كما سبّك ، وقد يصفعه صفعة أو صفعتين ، ويزجّه في السجن شهراً أو شهرين .

الأعرابي : بل اجعل (الاستدعاء) من أمّ الثلاث ليرات .

شمّر العرضحالجي عن ساعديه وركّز نظارته فوق أرنبة أنفه ، وكتب ما كتب ، حتى ملأ الصفحة ، ثم رفع ناظريه نحو الأعرابي ، وقال له :

ـ سوف أزجّ جارك المجرم في أعماق السجون .. اسمع اسمع ..وشرع يقرأ الاستدعاء :

" يا سيدي القاضي .

أنا عبدك الفقير إلى الله : فصعون بن جدعون ، كنت جالساً في صحن دارنا الوسيعة ، أنا ، وزوجتي ، وابني الطفل الصغير حمد ، وبنتي الصبية شمسة ، كنا نأكل ونشرب ، فقُرع باب الدار بقوة ، ثم انفتح بعنف ، وهجم جارنا أبو ديبو علينا بعصاه الغليظة التي لا تخاف ربنا . وضربني بها على رأسي ، فشجّه شجّة فظيعة ، وأسال الدم الحارّ منه ، ثم ضرب زوجتي الحامل في شهرها السابع ، فأسقط جنينها ، وكان مثل القمر ، ولكنه ـ يا حسرة ـ صاح صيحة واحدة ثم مات ، إهئ إهئ إهئ ، رحمه الله ، وأسكنه جنته ، ثم ضرب طفلي حمد ، فكسر ذراعه ، وضرب بنتي الصبية الحلوة شمسة ، فكسر ظهرها ..

وهنا أجهش الأعرابي في البكاء .. وشخص العرضحالجي ببصره نحو الأعرابي ، وسأله مستغرباً :

ـ لماذا تبكي كل هذا البكاء يا صديقي ؟

 قال الأعرابي :

ـ كل هذه المصائب أنزلها جارنا بنا وأنا لا أدري ؟ إهئ إهئ إهئ .. يكفي أيها العرضحالجي ولا تكمل .. والله إذا لم يحكم عليه القاضي بالمؤبد فسوف أشكوه إلى الله المنتقم الجبار .

ومسح الأعرابي دموعه بكمّه ، ثم نظر إلى العرضحالجي وسأله :

ـ هل هناك مصائب أخرى فعلها بي وبأسرتي هذا المجرم ؟

أجاب العرضحالجي وهو يبتسم ابتسامة عريضة :

ـ طبعاً .. طبعاً .. والله لأجعلنّ القاضي يرميه في جبّ كجبّ سيدنا يوسف عليه السلام .. فجارك المجرم ـ وانتقل بنظره إلى الاستدعاء ـ جاء بالتراكتور ، وهدم البيت على رؤوسكم ، ثم جمع أثاث البيت وأحرقه ..

صاح الأعرابي :

ـ كفى أرجوك كفى .. هل جاءت الإطفائية إلى هناك وأطفأت الحريق ؟ أو أنهم ، كالعادة ، تركوا البيت يحترق بكل ما فيه ؟

أجاب العرضحالجي :

ـ طبعاً تركوا البيت بما فيه يحترق .

الأعرابي : مجرمون ، مثل جارنا ، يجب أن نضعهم في السجن مع جارنا العزيز أبو ديبو .

فصاح العرضحالجي :

ـ فعل بك كل هذه المصائب ، وتقول : عزيز ؟

قال الأعرابي :

ـ ماذا فعل ؟ أنا ، والمرأة ، والطفل ، والصبية ، والبيت ، والأثاث .. صرنا في خبر كان ، أكيد مجرم مثله لا يسعه إلا جهنم الحمراء ، أدخله يا سيدي في جهنم الحمراء .

الأستاذ : وهكذا - يا أصدقائي - كثير من رجال الإعلام كهذا العرضحالجي يا شباب .. فلا تصدقوهم في أكثر ما يقولون ويكتبون ، فهو من صنع خيالهم الخصيب ، وأهوائهم المريضة .




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2017                    

www.al-fateh.net