العدد 336 - 15/03/2017

ـ

ـ

ـ

 

الحلقة 56

شاهد التلاميذ أستاذهم يدخل إلى الصف ، وعلى وجهه ابتسامة عريضة ، ونهض الطلاب من مقاعدهم تحيةً لأستاذهم الذي يحبهم ويحبونه ، وقال أنس :

ـ أضحك الله سنّك أستاذ ، فهل تضحكنا معك ؟

وقال محمود مبتسماً :

ـ عندما أراك ، يا أستاذنا الحبيب ، ضاحكاً أو مبتسماً ، تضحك لي الدنيا ، وأتفاءل معك ، بارك الله فيك .

تقدّم الأستاذ محروس خطوة نحو طلابه وقال :

ـ وأنا قادم إليكم ، تذكرت حادثة ذكرها لنا أحد مشايخنا الكرام ، جعلتني أبتسم في سري ، ثم خرجت الابتسامة إلى وجهي .

ـ ما هذه الحادثة أستاذ ؟

ـ هاتها ، أرجوك أستاذ ، فإن ما يجري في البلاد ، جعل قلوبنا حزينة ، وقتل الابتسامات فيها ، قبل أن تصل إلى شفاهنا ووجوهنا .

اربدّ وجه الأستاذ محروس قليلاً ، ثم قال :

ـ معكم الحق يا أحبابي ، فما يجري على أرضنا العربية عامة فظيع شنيع ، ولكن الأمل في مستقبل مشرق ، يبقى حياً في قلوبنا ، ونفوسنا .

ثائر : طبعاً أستاذ ، ونحن عندما نحزن ، لا نتشاءم ، ويبقى الأمل في مستقبل مشرق في القلوب والنفوس .

أنس : رغم كل الظلام المخيم على بلادنا العربية ، والإسلامية ، نتذكر قول الله تعالى :

(إنّ مع العسر يسراً ، إن مع العسر يسراً)

محمود : ولن يغلب عسرٌ يسرين أستاذ ، كما علّمتنا ، يا خير المعلمين .

الأستاذ : ما شاء الله ، تبارك الله ، والله عندما ألتقيكم يا أحبابي ، ينشرح صدري ، وتحيون الأمل في قلبي وعقلي ، فالأمة التي تنجب أمثالكم ، أمة لا تموت .. لن تموت .. مهما اشتدّ فيها الظلم والظلام .. مهما كثر فيها القتل والعصف ، فأنتم وأمثالكم من الطلاب النجباء ، المؤمنين بالله ، الفاهمين لأسباب الظلم والتخلف ، المتوثّبين للقضاء على تلك الأسباب ، الثائرين في وجه الظالمين والخونة في الداخل الفلسطيني والخارج .. أقول :

أمة أنجبت ولا تزال تنجب أمثالكم ، سوف تنهض بعون الله تعالى ، وسوف ترمي كل الأوباش إلى مزابل التاريخ ، فاستبشروا ، وثقوا بالله ، ثقوا بأمتكم ، بشعبكم ، فالخير والخيرية في أمتنا العربية ، وسوف نقضي على الفساد والمفسدين ، بإذن الله ، وسوف تشرق شمسنا من جديد ، وسوف نستأنف مسيرتنا الحضارية ، ليعمّ الخير على الإنسان العربي المظلوم .. أليس كذلك يا شباب .

فهبّ الطلاب هبّة رجل واحد ، وأجابوا :

ـ بلى بلى يا أستاذنا الحبيب .

وقال ثائر :

ـ ومادام في المعلمين أمثالك أيها الأستاذ الجليل ، فلا خوف على شعبنا من الأنذال ، من الخونة المرتبطين بالخارج .. الفاسدين المفسدين ..

ابتسم الأستاذ محروس ابتسامته العذبة وقال :

ـ والآن .. بارك الله فيكم .. ألا تحبون أن تسمعوا الحادثة التي جعلتني أبتسم وأنا أتذكرها ؟

الطلاب : بلى أستاذ ، بلى .

الأستاذ : إذن اسمعوها .

كان ناظم باشا والياً على مدينة حلب ، التي كانت تابعة للدولة العثمانية التي أنشأها البطل أرطغرل ابن سليمان شاه ، وكان ناظم باشا يحب اللغة العربية كثيراً ، فأصدر (فرماناً) يعني قانوناً ينص على إعفاء طلاب العلم من كثير من الرسوم ، في عدد من مؤسسات الدولة ، ومنها القطارات ، فكان الركاب يدفعون ثمن ركوبهم ، إلا طلاب العلم ، وكان يقف (الجابي) أمام باب القطار ، ليأخذ الرسوم من الركاب ، ومعه مساعد يحمل زنبيلاً ليضع فيه النقود مفهوم يا شباب ؟

الطلاب : مفهوم أستاذ .

الأستاذ : وذات يوم أراد شاب الصعود إلى القطار ، دون أن يدفع ثمن (البطاقة) كما نقول اليوم ، فنبهه الجابي ليدفع ما عليه ، فقال للجابي :

ـ أنا طالب علم .

فقال له الجابي :

ـ أعرب ضرب زيد عمراً .

فقال الشاب :

 ضرب : مبتدأ مرفوع ، وعلامة جره الفتحة الظاهرة .

(فابتسم الطلاب)

زيد : مضاف إليه منصوب .

(فضحك الطلاب)

عمراً : اسم كان مرفوع .

(فقهقه الطلاب)

فصاح مساعد الجابي :

ـ ادفع فأنت لست طالب علم .

قال الجابي :

ـ اتركه إنه طالب علم .

قال مساعد الجابي محتجاً :

ـ يا سيدي إنه لم يعرب أي كلمة إعراباً صحيحاً .

قال له الجابي ضاحكاً :

ـ اتركه .. إنه طالب علم ، ولكنه حمار ، وإلا كيف عرف أن هناك مبتدأ ، ومضافاً إليه ، واسم كان ؟ اتركه .

وهنا استغرق الطلاب في الضحك ، والأستاذ محروس ينظر إليهم في حب وحنان .




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2017                    

www.al-fateh.net