العدد 339 - 15/05/2017

ـ

ـ

ـ

 

تأليف: عبد الرزاق المطلبي

الريشة الذهبية:

في البيت الكبير انطلقت صرخة الوليد، وهلّلَ أهل البيت وكبروا، وعلى عادتهم فتح الوالد المكرم كتاب الله العزيز وقرأ فيه، ثم رفع وجهه المضاء بالرضا والسعادة، وقال:

- سيكون اسم الوليد الجديد من آل منظور (محمداً).

ثم ناولوه له، فرفعه إليه ينظر في وجهه طويلاً، وقبله في جبهته، وقال:

- اللهم إننا سميناه على اسم نبيك الكريم محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وتيمناً بما طالعت من آياتٍ في كتابك العزيز، فبارك اللهم في ابننا محمدٍ واجعله من أبناء الصلاح والفلاح، ليسير على خطى آل منظور الساعين في رضاك، اللهم أنت السميع المجيب يا الله. وكان هذا في عام 630هـ.

ومنذ تلك اللحظة والصغير محمد محاط برعاية كل أهل البيت من آل منظور وسكنته من الجواري والخدم والأقرباء والأصدقاء، فهذا الطفل الضحوك هو الذي يجذب انتباه الناظر إليه بعينيه البراقتين المتحركتين سريعاً، وهو الذي يبدأ مع أي من القريبين منه فينظر إليه، ويضحك معه يناغيه ويضرب برجليه ويديه تجاهه إن كان في مهده أو في حضن أمه أو على ذراعيها أو ذراعين آخرين, وغدا مشهوراً بينهم، يتسابقون في أخذه بين أيديهم وملاعبته وقضاء وقت بهيج معه.

وعندما كبر وصار يزحف على يديه ورجليه، تعجبوا من رغبته في أن يسير إلى مجلس والده في غرفة الديوان الكبير، وانجذابه إلى أصوات الرجال المتحادثين في مناقشاتهم ومناظراتهم، فإذا قطعت أمه عليه الطريق أو أسرعت إليه جارية، فإنه يصيح ويصيح محتجاً ويضرب بيديه ورجليه.

دهشت الأم وهي ترى ابنها الصغير محمداً يصر في عناد عجيب على دخول غرفة الديوان في بيت آل منظور الكبير المعروف في كل مصر بحلقات الدرس والعلم والمناظرات منذ عهد جده نجيب الدين، بل منذ عهد جده السابع منظور الذي تسمت العائلة كلها بعدئذٍ به، كما على عهد أبيه مكرم، وعلى الرغم من أنها وضعت عليه رقابة منها ومن الصبيان والجواري والنساء في البيت، فالديوان هو مجلس الرجال الكبار حيث الأوراق والكتب والكراريس وريشات الكتابة والمصلى وأصداء الأحاديث الطويلة.

وإزاء إصراره ذات يوم خرج أبوه المكرم ورأى كيف يناورهم لبلوغ باب الغرفة، فأسرع إليه يحمله بين ذراعيه ويدخل به على الرجال الذين صاحوا مهللين وارتفعت أدعيتهم له وكلمات إعجابهم به.

وبعد وقت خرج به أبوه إلى أمه وهو يبتسم ويقول:

- يقول الشيوخ إن محمداً يستعجل طلب العلم، إنه يصفق ويضحك ويزعق سروراً وهو يمسك بالكتب أو يفتحها أو يضعها ويصعد عليها، تصوري إننا لم نستطع الكلام وهو موجود؟

ذات يومٍ، وقد صار محمدٌ صبياً في الرابعة من عمره افتقده أهل البيت وبحثوا عنه في كل مكان لكنهم لم يجدوه، وتعجبوا، فأين يمكن أن يكون؟؟

سريعاً اتجهت عيون الجميع إلى غرفة المجلس، حيث الكتب مصفوفة على رفوفها وأدوات الكتابة من قرطاسٍ وريشة كتابة ودواةٍ، والمسند الذي يضعون عليه كتاب القراءة، والمسند الذي عليه يكتبون، دخلوا وانفجروا ضاحكين، فقد رأوه قد وضع مجموعة كتبٍ ذات جلود سميكة واحداً فوق الآخر، وصعد فوقها كلها، ووصل إلى ريشة الكتابة المطروحة قرب الدواة فوق الرف.

أرادوا أن يسرعوا إليه ليوبخوه ويمنعوه من دخول الغرفة مرة ثانية، لكن أباه أشار بيده أن قفوا واسكتوا، وهمس:

- دعوه يفعل ما يريد، دعوني أنظر إليه.

الولد أنزل الريشة وأنزل الدواة ثم فتحها بطريقة حذرة وغمس طرف الريشة، الرقيق فيها، ثم فتح أول كتابٍ قربه وأراد الخربشة عليه بالحبر، فأسرع أبوه إليه لا ليمنعه، لكن ليضع رقعة أمامه ويقول:

- اكتب.. اكتب يا محمد..

ارتبك أول الأمر وتردد، لكنه ما لبث أن انطلق يخربش على تلك الرقعة فرحاً سعيداً، وفي اللحظة نفسها تمتم أبوه قائلاً:

(ربما سيكون لك شأن بالكتابة والكتب يا محمد).

***

يتبع بإذن الله




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2017                    

www.al-fateh.net