العدد 341 - 15/06/2017

ـ

ـ

ـ

 

(3)

كبر الولد محمد، وصار فتىً يافعاً، غير أنه ظل على انقطاعه عن أقرانه ومجالس دروسهم في الجوامع وحلقات الدرس عند الشيوخ، كان أبوه يرنو إليه وهو يحبس نفسه في غرفة مكتبة البيت العامرة، وينظر إليه وهو يجلس في مكانه الخاص في طرف مجلس أبيه يسمع ويحفظ، وأحياناً يدوّن أسماء كتب وأسماء مؤلفيها، ولا يدري أبوه ماذا يفعل أكثر من هذا.

في أحد الأيام كان أبوه يسير في سوق الوراقين في مصر القديمة، يزور هذا الوراق ويسلم على ذاك، يقلب هذا الكتاب ويتأمل في جلد ذاك، وفجأة أخذ جلال الدين المكرم بن منظورٍ يتمتم: (يا إلهي .. ما هذا؟ من هذا؟) وبقي يقلب أوراق كتابٍ منسوخٍ بين يديه بعجب وحيرة، وتنبه الرجال الذين كانوا معه إلى عجبه وحيرته وسألوه:

- ماذا يا ابن منظورٍ؟

أجاب ببطءٍ وهو يعرض الكتاب أمام أعينهم:

- هل ترون هذا الكتاب؟

- إنه كتاب (صفوة الصفوة لابن الجوزي).

قال ابن منظور:

- ليس هذا ما أقصد.. بل أقصد من قام بنسخه.

وسألوه:

- من؟ هل تعرفه؟

قال:

- انظروا.. إنه ابن منظورٍ.. لكن من؟

ومِن كثير دهشتهم راحوا جميعاً يتبادلون النظر الحائر بينهم وبين اسم الناسخ المثبت على الكتاب.

عاد ابن منظورٍ للشيخ الوراق وسأله:

- هل تعرف ناسخ هذا الكتاب؟

قال الوراق وهو يبتسم:

- إنه شاب لطيف، جم الأدب، قليل الكلام، ذو معرفةٍ وإطلاع، اسمه ابن منظورٍ يا ابن منظور! كنت أود أنا أن أسألك عنه ألا تعرفه؟

تمتم ابن منظورٍ:

- ربما سأعرفه.. حسناً.. كم تريد ثمناً لهذا الكتاب؟

قال الوراق:

- ما يدفعه الشيخ جلال الدين المكرم بن منظورٍ في مثل هذا الكتاب المنسوخ بهذا الخط الجميل!

ودفع له وأخذ الكتاب وغادر...

في البيت أسرع المكرم بن منظورٍ إلى حيث يختلي ابنه محمد جمال الدين، ورآه وهو ينسخ بريشته كتاباً بين يديه هو (يتيمة الدهر في شعراء أهل العصر) للثعالبي، فابتسم ووضع الكتاب أمام عينيه، وقال:

- هل نسخت أنت هذا؟

قال محمد بن منظورٍ:

- نعم.. هل أعجبك نسخي يا أبتِ؟

قال المكرم:

- نعم .. إنه نسخ حسنٌ جميل، لكن ما حاجتك لهذا العمل الذي أراك تضيع وقتك والكثير من عمرك به، في حين تستطيع أن تدرس وتأخذ مكانتك بين أدباء ومتفقهي ونحويي وعلماء الزمن شأن كل رجال هذا البيت.

رفع جمال الدين محمدٌ نظره إلى أبيه، وقال:

- لكني لا أريد أن أعرف بعلمٍ واحدٍ، إنما أريد أن أحيط بكل العلوم.

وسأله أبوه:

- وماذا يفيدك أن تنسخ كتب غيرك، وأنت لست بحاجةٍ لنقودٍ؟!

قال محمد:

- إنّ نسخ كتابٍ مرةً واحدةً يا أبي يعادل دراسته مائة مرة، فأنا بنسخي للكتب أُسجلها بدقائقها في ذاكرتي وأحفظ ما فيها حفظ فهمٍ واستيعاب لاحفظ ترديدٍ عن غيبٍ، ثم إنني بنسخ كتب للوراق أستطيع الاطلاع على كتبٍ كثيرة، وربما قمت بنسخها لنفسي..

قال أبوه:

- أنا لا أرى هذا معك، فمكتبة البيت عامرة بالكتب، لكن هداك الله وسدد خطاك إلى ما فيه خيرك وخير المسلمين.

وخرج وقد نسي الكتاب المنسوخ قرب ابنه محمدٍ!

كان الفتى محمد بن منظورٍ مستغرقاً في نسخ قصائد كتاب ديوان (الحماسة) لواضعه الشاعر الكبير أبي تمامٍ حين سمع صرخةً فزعةً، فانقبض قلبه لكنه استمر في نسخه مع شيء من القلق والخوف على أبيه الذي كان يعلم أنه مريض وأن حالته تسوء يوماً وراء يومٍ، عرف هذا من رقدة أبيه ومن حالته الضعيفة التي يراه فيها، وكأن شيئاً فيه كان يذهب خيطاً وراء خيطٍ، ومن القلق الكثير في عيون أهله وأصدقاء أبيه وكلماتهم الخائفة المشفقة.

لكن لما تتابعت الصرخات عرف أن ما خاف منه وقع، وأن ما يتحدث به الكبار قد حدث لأبيه فأسرع يخرج من غرفة عمله مضطرباً خائفاً، ثم شعر بشيء ينخلع في داخله وبروحه تنعصر، وصعد شيء إلى بلعومه وخنقه، وصعدت الدموع إلى عينيه عندما رأى الكبار يلوذون بوجوههم وبأعينهم إلى الأرض أو إلى الجدران، وبعضهم يمسح دموعاً قبل أن تنزل، وقبل أن يراه الآخرون.

إذن لقد مات أبوه...

مات جلال الدين مكرم بن منظور أبوه، وترك هذا البيت الكبير بأنفاره الكثيرة ليكون هو مسؤولاً عنهم كلهم.. لشد ما كان الموت متعجلاً وكأنه يتسابق معه، حتى إنه سبقه قبل أن يبلغ الفتى محمد مبلغ الرجولة الكاملة، هو الفتى ابن الخامسة عشرة من عمره الآن!!

وقف ذاهلاً والجميع يتحركون ويعملون ويبكون استعداداً لجنازة الوجيه جلال الدين مكرمٍ بن نجيبٍ بن منظورٍ، وفجأة رأى نفسه ينفجر باكياً مندمجاً ودعوات الرجال والنساء ليأخذ مكان أبيه، إن فراغه كبير كبير، ليس في مكانه في مجلسه وعند أصدقائه وعند أمير المؤمنين، لكن في قلبه وروحه هو، إنه ابنه محمد جمال الدين، مثل قارب يطفو في موجٍ كان الناس يحركونه، وكان ذاهلاً تماماً عن هذا كله.

دهشت أمه بعد فترة من وفاة أبيه عندما رأته يعود إلى قضاء كل وقته في غرفة المكتبة بين الكتب، ولم يسأل عن أحوالهم وعن تدبير معيشتهم، حتى الضيعة الكبيرة التي كان أبوه يتابع أمورها بنفسه، غفل أو تغافل ولدها محمد عنها.

وفي صباح ذات يوم دخلت الغرفة عليه، وجلست تنظر إليه وهو يغمس الريشة في الحبر ويكتب، ولما رأى هو مكوثها قربه يطول رفع رأسه وقال لها:

- هل لك حاجة عندي يا أماه؟

قالت له:

- لست وحدي، كل أهل البيت لهم حاجة عندك.

ولم يفهم، وبقي ينظر إليها، ينتظر باقي كلامها، قالت:

- ألم تسأل نفسك يا ولدي كيف كنا نعيش وممّ وكيف سنعيش الآن؟

أجاب:

- لدينا الضيعة وما تركه أبي لنا.

فهزت رأسها وقالت:

- هذا كله لا يكفي إن لم يرعه أحد ويهتم به كما كان يفعل أبوك. الضيعة ستهمل وتندثر ويتركها من يعمل فيها إذا لم يتفقدها صاحبها، وصاحبها الآن هو أنت يا ولدي.

نظر إليها متعجباً محتاراً، فهو لم يفكر بهذا كله، بل لم يجر له على بالٍ، وسأل مستغرباً:

- أنا يا أمي؟!

أجابت:

- نعم أنت، ومن غيرك وأنت ابن المكرم جلال الدين ابن منظور؟

قال:

- أليس عليها وكيل يهتم بها ويرعى شؤونها؟

قالت:

- نعم.. ولكنّ الوكيل بلا عينٍ عليه من مالكها قد يستغلها لنفسه أو يهملها.

هل تستطيع أن تعطيها وتعطي شؤون البيت من وقتك كما تعطي لهذه الكتب وهذه الريشة؟

قال:

- وقتي كله لا يكفي لما أريد أن أعمله يا أمي، والضيعة تريد وقتاً كثيراً وأنا لا أقدر على هذا يا أمي.

نهضت أمه سريعاً وهي تقول في نفسها:

(أنا التي ستدير الأمور وتتابع شؤون الضيعة، ولكن باسمك يا محمد)!

***

يتبع بإذن الله




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2017                    

www.al-fateh.net