العدد 342 - 01/07/2017

ـ

ـ

ـ

 

(4)

فرحت أمه واحتارت حين عرفت أنه أرسل يدعو شيوخ العلم من أصدقاء أبيه وبعض طلاب العلم من فتيان وعلماء يبرزون الآن، إذن ستعود الحياة و الحركة لهذا البيت الذي لن يكون حياً إلا بالشيوخ والعلماء وعلمهم، ومن دون أن يدري عملت على تحريك البيت كله بحيويةٍ ونشاط لكي لا يلمس القادمون فرقاً بين ما كان في عهد أبيه وما هو قادم الآن! وكانت تنظر من وراء نافذةٍ إليه، وهو يأخذ مكان أبيه في صدر مجلس والده.

وبعد أن جرت الأحاديث بين الجميع، وانتقلوا من موضوع إلى موضوع تناول الشاب جمال الدين محمد كتاباً وأظهره أمام عيون الجميع، وقال:  

- هذا الكتاب هو (الأغاني) لأبي فرجٍ الأصبهاني.

الجميع لم يهتموا كثيراً وهم ينظرون إلى الكتاب وينظرون إلى أجزائه الباقية، لكنه قال:

- هذا الكتاب هو كل كتاب الأغاني!!

فتنبه الشيوخ والعلماء والأدباء والشعراء ونظروا إليه غير مصدقين، ابتسم بعضهم متصوراً أنه لا يعرف كتاب أبي الفرج الأصبهاني، وأعاد هو:

- هذا هو كتاب الأغاني.. تفضلوا اطلعوا عليه.

قال أديب وهو يضحك:

- لا أعتقد أنك تستطيع أن تمسك بكتاب أبي الفرج بيديك الاثنتين فكيف بك وأنت ترفع أجزاءه الواحد والعشرين جزءاً مجلداً.

وتناول أحد الشيوخ الكتاب من يد ابن منظور وهتف:  

- (مختار الأغاني في الأخبار والتهاني) هذا عمل ممتاز، هذا عمل يساوي عمل أبي الفرج في تأليفه!

ثم وجه عينيه إلى الحاضرين وقال:

- لقد لخص ابن منظور كتاب أبي الفرج تلخيصاً كافياً.. أنا قرأته واطلعت عليه قبل أن نأتي إلى هنا! لقد اختار محمد منه وأهمل بعضه، وأسماه مختار الأغاني في الأخبار والتهاني ولولا حفظه لما في الأصل واحتفاظه به لقلت أنه من وضعه وتأليفه.

وبسرعةٍ أخذ الجالسون يتداولون الكتاب ويطلقون عبارات الثناء والإعجاب، قال أحد الشيوخ:

- لقد رتبته أنت يا محمد على حروف الهجاء، في حينٍ لم يراع مؤلفه أبو الفرج فيه هذا، بل كان قد رتبه على حسب الأصوات.

قال جمال الدين محمد بن منظورٍ:

- وأنا أعكف الآن على تلخيص كتاب (زهر الآداب وثمر الألباب) (لأبي إسحاق إبراهيم الحصري القيرواني).

فهتف كبير الشيوخ:

- بارك الله فيك يا محمد وبارك في عملك الذي فيه خير لكثير من القراء وطالبي المعرفة والعلم.

انقطع ابن منظور عن الأهل والأصدقاء والشيوخ والناس إلا عن مجلس العلم والأدب الذي دأب على الاستمرار فيه بعد أبيه.

وتنبه بعض الشيوخ إلى أن جمال الدين بن منظور يتابع أمراً في ذهنه كلما التقوا به في المجلس، وكأنه معهم وبينهم وفي مكانٍ آخر في آنٍ واحدٍ.

وفي إحدى المرات، قال له شيخ مبتسماً:

- إنك تُخفي عنا أمراً يا ابن منظور!

فضحك ابن منظور وقال:

- لا أخفي إلا الخير لي ولكم وللجميع.

قال الشيخ:

- هذا صحيح.. أنت ورجال هذا البيت كلهم لا تصنعون إلا الخير حقاً، ولكن لديك شيئاً يا ابن منظور! هل تستطيع أن تخبرنا به؟

ضحك ابن منظور وقال:

- أنا أعمل مكتبة في كتاب.

دُهش الحاضرون وصاحوا:

- مكتبة في كتابٍ واحد؟ كيف تعملها يا ابن منظور؟

قال:

- سيبقى هذا العمل سراً حتى أفرغ منه كاملاً، وعندئذٍ أصحبكم إلى مكتبتي لتروا تلك المكتبة الكبيرة الموضوعة في كتابٍ واحد.

وتعجبوا أكثر، لكنهم لا يرونه الآن شيئاً خارجاً عن قدرة ابن منظور، الذي عمل الأعاجيب واختصر الكثير في الكتب..

على الرغم من تعبه ومن ضعف جسده، كان ابن منظورٍ يعمل ساعات طويلة ففي أحد الأيام كان جمال الدين بن منظورٍ منخرطاً في عزلته داخل غرفة كتبه، دخل عليه خادمه وقال:

- هناك رجلان من رجال أمير المؤمنين في الباب يا سيدي.

فاعتدل في جلسته وأطبق كتاباً كان بين يديه وقال:

- ماذا يريدان؟

- الأمير يطلبك إليه.

ودُهش ابن منظور، فماذا يريد منه أمير المؤمنين لكن ما كان له أن يسأل أكثر، ومن لحظته طلب منهما أن ينتظراه ريثما يرتدي ملابسه ثم يممَّ معهم إلى حاكم مصر.

يتبع في العدد القادم بإذن الله




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2017                    

www.al-fateh.net