العدد 343 - 15/07/2017

ـ

ـ

ـ

 

(5)

تعجب ابن منظور حين رأى وجه القوم تنظر إليه بين حائرٍ ومدهوشٍ ومستغربٍ ومستنكرٍ ومتشفٍ وحسودٍ ومتوعدٍ، وتعجب أكثر عندما تنبه لعدم الرضا في ملامح وجه أمير المؤمنين، فعرف على صغر سنه وقلة اختلاطه بمجالس الحاكم أن في الأمر شيئاً يملأ نفسه شكاً وارتياباً، ويدفعه إلى التحسب والحذر والتفكير وافتراض القضية، وقد تخيل أن المسألة تتعلق بأحوال بيته أو بضيعتهم أو بحقوق أبيه لكن أمير المؤمنين أشار له في هذه الأثناء بالجلوس، ونظر في عيني ابن منظور طويلاً، ثمَّ أشار لرجلٍ أن يتكلم.

قال الرجل:

- ابن منظور يخرب كتب علماء الأمة وأديانها وفضلائها.

وقال ثانٍ:

- وهو يسطو عليها فينسخ منها وينسبه لنفسه.

قال الأول:

- ويدّعي أنه يقوم باختصارها وتيسيرها لمن لا يهمه الاطلاع على تفصيلها، لكنه يهدم ما بناه واضعوها الأفاضل ويخرب كتب الأمة وجهد علمائها.

قال أمير المؤمنين ساخراً:

- كل هذا فعله ابن منظور ونحن نظنه سائراً على سيرة والده رحمه الله!

قال الرجل الأول:

- نعم، فعله هذا الشاب، الذي بدل أن يقتفي خطى أبيه ويضع كتباً ويعين العلماء والأدباء والشعراء، فإنه يعكف الآن على تخريب كل ما وضعوه.

وقال الثاني:

- ويدّعي أنه يصنع لساناً للعرب، وأمير المؤمنين أطال الله عمره وأبقاه، يعلم أن العرب أفصح لساناً من قبل أن يولد هذا الشاب الهدام، فلسانهم لا لسان غيرهم هو الذي اختاره الله سبحانه وتعالى لساناً مبيناً في كتابه الكريم: القرآن العظيم.

قال أمير المؤمنين سائلاً الحاضرين:

- هل سمع أحد منكم بهذا الأمر؟

فأجابه قسمٌ منهم:

- لا...

وأجاب قسم آخر:

- نعم.. وهو يعمل كتباً مفيدةً عن التي يختصرها، تفيد جماعة ممن يطلبون اللباب ولا يضيعون وقتهم في تتبع التكرار والأسهاب والأطناب.

وقال قسمٌ غيرهم:

- ليس هذا يا أمير المؤمنين أبداً، إنه حقاً يخرب تلك الكتب ويشوهها ويفوت عن الناس الكثير مما يحذفه أو يعيد صناعته منها، كل هذا لكي يغطي باسمه على أسماء مؤلفيها وواضعيها الأفاضل.

تعجب أمير المؤمنين وأخذ يفكر طويلاً فيما سمعه الآن من شيوخ مجلسه وعلمائه.

لكن ابن منظور قال:

- أرجو أن يأذن لي أمير المؤمنين أن أبين أن مختصرات الكتب التي عملتها والموجودة نسخ منها لديكم ليست هكذا، فأرجو أن تطلب من علمائنا الأجلاء الاطلاع عليها، وأرجو أن تطلعوا عليها أنتم لتحكموا بأنفسكم.

بينما كان الشاب ابن منظورٍ يركب بغلته سائراً في شوارع مصر القديمة إذا باثنين يعترضان طريقه فيمسك أحدهما بعنان بغلته ويمسك الآخر بذراعه ويجذبه ليوقعه عنها وهما يهتفان ساخرين ضاحكين، صاح الأول:  

- أيها اللص الذي لا يشابهه لص آخر في الدنيا.. ها.. ها.. ها...

وضحك الثاني وقال:

- ها.. ها.. ها.. اللص يسرق في الليل ويخفي ما يسرقه عن العيون، وأنت تسرق في النهار وتتحدث للناس عما سرقت وتظهره للعيون، يا لها من طريقةٍ عجيبةٍ في اللصوصية!

- .. تصور.. إنه يدعي أنه ألف كتاباً سماه لسان العرب..

وأكمل الثاني:

- ويقول عنه إنه مكتبة في كتاب، وإنه يقع في عشرين مجلداً...

وقال الأول:

- لكنه سرقه من كتبٍ خمسةٍ مجموع مجلداتها حوالي (40) مجلداً.

وفجأة التفت الأول إلى ابن منظور، وقال:

- لا أظنك رأيت كتاب (التهذيب) للأزهري ولا (الصحاح) للجوهري.

وأضاف الثاني:

- ولم تعرف أن لابن سيده كتاباً اسمه (المُحكم) وليس لابن بري كتاب اسمه (الحواشي) على صحاح الجوهري.

وقال الأول:

- أما ابن الأثير فلم تعرف أن له كتاباً اسمه: (النهاية في غريب الحديث).

أخذ الثاني يضحك وهو يجذب عنان البغلة ويركلها بقدمه ويحاول الأول أن يسقطه عن ظهر بغلته وهما يصيحان:

- نسخت منها كلها، وخلطته بما تحفظ مما قرأت هنا وهناك.

والتفت إلى أُناسٍ تجمهروا حولهم وصاح:

- هذا اللص سطا على كتب غيره، فسرق من هذا الكتاب وسرق من ذاك، وخلط ما سرقه بما كان قد قرأه في كتبٍ كثيرةٍ مما نسخها أو قطعها وسلّ منها وخرج من هذا كله بكتاب يسميه (لسان العرب) أرأيتم لصاً آخر مثله؟؟

قال ابن منظور:

- حسبي الله ونعم الوكيل إنا لله وإنا إليه راجعون، حسناً أتركاني أيها الجاهلان.

لكنّ أحدهما جذبه بقوةٍ ودفعه الآخر حتى أسقطاه من على ظهر بغلته فصاح بهما.

- لقد ضقت ذرعاً برعونتكما وجهلكما! من أنتما؟ وماذا تريدان؟

قالا معاً:

- حسناً، ستعرف قريباً ما نريد..

وانطلقا يهرولان وكأنهما يتربصان، وهما يصيحان!

- لا تنس، سترانا وستعرف ماذا نريد أيها اللص.

والتفتا إلى الناس وصاحا:

- دونكم لص الكتب هذا.

وبسرعةٍ فاجأته والتف الناس حوله وأخذوا يصحيون ويصفقون:

( اللص.. اللص.. اللص.. اللص..)

ولم ينج منهم إلا بعد أن أدركه مصادفةً أحد الشيوخ من أصدقاء أبيه، الذي منعهم عنه مهدداً بجند الحاكم، وأخذ بيده بعيداً عنهم.

كان ابن منظور يتهيأ لإرسال المجلدات العشرين من كتاب (لسان العرب) إلى أمير المؤمنين، لكن حدث ما لم يكن قد حسب حسابه، فقد اقتحم لصوص دار آل منظورٍ، ولم يعبثوا ولم يأخذوا إلا مخطوطات هذا الكتاب: (لسان العرب): وارتبك، وأخذ يضرب كفاً بكف وهو يذرع الغرفة رواحاً ومجيئاً ويصيح بما يشبه النواح:

- يا ويلي.. يا ويلي.. ضاع جهد عمري كله، والمصيبة أني وعدت أنني سأسلم كامل أجزاء الكتاب لأمير المؤمنين، فماذا أصنع الآن؟!

وذات مساءٍ فوجئ الحاضرون في دار ابن منظورٍ بمجيء أمير المؤمنين بنفسه وبحاشيته معه، وكان كثيراً ما يفعلها مع أبيه، وما أن استقر به المقام حتى أخذ يد ابن منظورٍ يهنئه ويقول:  

- لقد عملت ما لم يعمله غيرك ممن سبقوك، ولن يعمله ممن سيجيئون بعدك، هذا الكتاب هو لسان حقيقي للعرب إنه من أكبر أمهات كتب اللغة وبحر للمعرفة جمعت فيه ورتبت ونظمت ما تفرق في كتب العرب، فيه ما يريد القراء الاطلاع عليه، فهو حافل بأقوال اللغويين والنحاة وشراح الدواوين الشعرية، فبارك الله فيك يا ابن منظورٍ وبارك في عملك وكل جهدك!

بهت ابن منظور وسأل متلعثماً:

- وهل اطلعتم فعلاً يا سيدي على كتابي (لسان العرب)؟

قال أمير المؤمنين:

- نعم، ووجدته معجزةً في التأليف، إنه عظيم وفريد في التصريف والترتيب والتصنيف والتعريف! لقد دبر اثنان من حسادك سرقته وإيصاله إليّ لكي أقتص منك لكنني اقتصصت منهما وجئت بنفسي لأهنئك وأهديك ما يساوي جهدك فيه وعملك.

بعد أن تداول شيوخ العلم وطلابه كتاب (لسان العرب) صار الجميع يحرصون على جمع كل كتب ابن منظور.

فذات يوم دهش ابن منظور وهو يرى طالباً صغيراً من طلاب العلم في زمانه يطرق عليه الباب، حتى إذا أدخله ابتدأه بالتوسل والرجاء أن يزوده بما ينقصه من كتبه أو يرشده إلى الوراق الذي يجدها عنده، وأخرج قائمة وراح يقرأ على ابن منظورٍ ويقول:

- لقد اختصرت أكثر من خمسمئة كتابٍ في مدة (40) سنةً يا سيدي.

لدي منها:

1- الأغاني لأبي فرج الأصبهاني الذي سميتموه (مختار الأغاني في الأخبار والتهاني).

2- زهر الآداب وثمر الألباب: لأبي إسحاق بن علي الحصري.

3- يتيمة الدهر في شعراء أهل العصر: للثعالبي.

4- (نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة) و(جامع التواريخ): لأبي علي المحسن بن علي التنوخي.

5- تاريخ مدينة دمشق: لابن عساكر أبي القاسم علي بن أبي محمد.

6- تاريخ بغداد: للسمعاني.

7- صفوة الصفوة: لابن الجوزي.

8- مفردات ابن البيطار وهو كتاب في الطب.

9- فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس لأولي الألباب الذي سميتموه: (سرور النفس بمدارك الحواس الخمس)، ولدي جزؤه الأول الذي سميتموه: (نثار الأزهار في الليل والنهار وأطايب أوقات الأصايل والأسحار وسائر ما يشتمل عليه من كواكب الفلك الدوار).

10- الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، لابن بسام وسميتم أنتم مختصره (لطائف الذخيرة).

11- الحيوان: للجاحظ.

12- لسان العرب: الذي وضعتموه أنتم.

يتبع في العدد القادم بإذن الله




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2017                    

www.al-fateh.net