العدد 344 - 01/08/2017

ـ

ـ

ـ

 

(6)

بعد كثير من السنين، وقد تقدم العمر كثيراً بجمال الدين بن منظور، بقي على ما نشأ عليه، وأحبه من حياةٍ بين الكتب والورق والحبر، وعلى الرغم من سنه الكبيرة، إلا أنه كان يرفض أن يسمع صوت زوجة أو ابن أو صديق أو قريب في أن يبتعد عن الكتب، ابنه قطب الدين كان يتقرب منه ويرجوه متوسلاً أن يرعى نفسه ولا يحملها ما لا طاقة لها به فيكف عن القراءة والتلخيص والكتابة، لكنه ظل يصر إصرار الرجل العنيد، ثابتاً ثبات العالم المفيد.  

اقترب منه ابنه قطب الدين ذات صباح وسلّم عليه، وجلس بين يديه، ينظر مشفقاً إلى شيخوخة أبيه الذي كان يقرأ كتبه بعنادٍ عجيب للضعف المستمر بعينيه، كان الوالد الكبير يقرب الصفحة المفتوحة للكتاب من عينيه حتى ليكاد يمسهما مساً وهما أقرب إلى ضياع البصر وانطفاء النور وتغير اللون، قال له بصوتٍ خفيضٍ:  

- أرجوك يا والدي، دعني أقرأ أنا لك أو يقرأ لك غيري ولا تجهد عينيك ونفسك هكذا، وإن أردت أن تملي عليّ أو على غيري شيئاً فنحن حاضرون جاهزون للكتابة بكل رضا وأتم سرور.

فلم يبعد الشيخ كتابه من عينيه، بل حركه في هذه اللحظة مقترباً بسطور حواشيه من عينه اليمنى، ولسانه يتحرك بطيئاً وبلا صوت داخل فمه، ثم قال:

- دعني يا قطب الدين، خلني مرتاحاً وسعيداً مع كتبي ونفسي يا ولدي واذهب أنت لشأنك، إن سعادتي كبيرة فأنا وبما تبقى من نور عيني وقوة جسدي لا أحتاج أحداً غيري، اذهب عني يا ابني.. اذهب..

قال قطب الدين:

- لكننا لا نعرف الراحة وأنت تريد أن تذهب بما تبقى من بصرك في قراءة وكتابة لست بحاجة لها الآن.

وضع محمد ابن منظورٍ الكتاب في مكانه، وتوجه إلى ابنه وقال:  

- اسمع يا بني، لقد جالست الأمراء والحكام، وناظرت العلماء والأدباء وسمعت من الشعراء وأسمعتهم، وخدمت بديوان الإنشاء، ووليت القضاء، لكني ما عرفت السعادة والمتعة يوماً إلا وأنا أقرأ وأضع حاشيةً هنا وحاشيةً هناك، أو أكتب ملخصاً، أو دارساً، أو واضعاً مما أُصيب من علمٍ ومعرفةٍ، وتلذُّ لي حياتي بها، وأحب أن أستزيد من السنين بعمري، فلا تحرموني مما أحب وأرغب.

وأمام إصرار أبيه وعناده، نهض قطب الدين، وفي نفسه لوعة وفي صدره حرقة، فيا لله أي شيخٍ عالمٍ جلدٍ صابرٍ أبوه محمد جمال الدين بن منظور!!

وذات يومٍ سقط الشيخ في الهوةِ فجأة، وانغلق عليه ليلٌ دائمٌ فقد انطفأ آخر خيطٍ من نورٍ في عينيه، وحلّ ظلام العمى طول العمر الباقي، فقد كفَّ بصره، ولم تعد يداه ترتفعان بالكتاب إلى عينيه، ولم تعد أصابعه تقبض على ريشة الكتابة، وما عادت رائحة الحبر تفتح نفسه وعقله بشهيتها للحياة وتفيض منهما أفكاراً على السطور والورق.

وخشي الأهل على الشيخ النهاية القريبة فكيف سيطيق حياته من دون كتاب أو ريشة كتابة ورائحة حبر؟

غير أنّ الكتب التي كانت تريه العالم وتفتح له كل أبواب الحياة عوضته عن الظلام حوله، وهاهم الأهل والأصدقاء يقرؤون عليه أو يستمعون إليه، وقد بقي كما كان شيخاً مهيباً وقوراً بغزير علمه وأدبه ورقيق شعره حفظاً وروايةً ونظماً، يتصدر مجلس العلم والأدب في الدار الكبيرة دار الآباء والأجداد من آل منظورٍ، وابنه الذي يروي عنه ويأخذ من علمه ويتحدث بمعرفته الواسعة وعلومه الكثيرة، ابنه قطب الدين يأخذ مكانه بين علماء وأدباء زمانه خطوةً خطوة، حتى توفي الأب، واضع لسان العرب جمال الدين أبو الفضل محمد بن الشيخ جلال الدين المكرم بن منظورٍ، في الثالث عشر من المحرم سنة 711هـــ عن عمر بلغ واحداً وثمانين عاماً.

رحم الله ابن منظورٍ واضح الموسوعة الفريدة، التي هي حقاً مكتبة في كتاب:

- (لسانُ العربِ)...  

تمت بحمد الله




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2017                    

www.al-fateh.net