العدد 346 - 01/09/2017

ـ

ـ

ـ

 

الحلقة 65

دخل الأستاذ محروس إلى الصف متجهماً ، وألقى التحية على تلاميذه النجباء ، ثم جلس على كرسيه الخيزران ، وأخذ يعبث بالمسبحة بكلتا يديه وهو صامت ..

نظر الطلاب بعضهم إلى بعض ، والحيرة في عيونهم ، ثم نهض ثائر وقال :

ـ عفواً أستاذنا الحبيب .. قطعت قلوبنا .. ما الأمر ؟

نهض الأستاذ محروس وقال :

ـ العيد بعد أسبوع ، والناس يملؤون الأسواق ، يشترون لأنفسهم ولأطفالهم الثياب ، والألعاب ، وآخرون يشترون ما لذّ وطاب من الحلويات ، والفواكه ، واللحوم .

وبعضهم سافروا إلى الحج .. أليس كذلك ؟

قال ثائر :

ـ بلى وهل في هذا ما يوجب الحزن والإنكار ؟

أنس : كل المسلمين يفرحون بالعيد .. الصغار والكبار ..

محمود : وأنا والدي وأمي وأخي سافروا إلى الحجاز للحج ، وأخي الكبير وأختي الكبيرة اشتروا لنا ما لذّ وطاب من ألوان الطعام ، والمكسرات ، واللحوم ، من أجل العيد ، ومن أجل الحجاج الذين سيرجعون من الحج رابع يوم العيد .. فهل فيما نعمل ما تستنكره علينا أستاذ !

نزل الأستاذ محروس من فوق المنصة ، ومشى صامتاً بين الطلاب في حزن ، ولم يرد على تلاميذه .

انبرى له مصطفى الذي نهض في انزعاج وقال :

ـ أرجوك أستاذ ، أجب على تساؤلات زملائي ، فنحن كلنا مستغربون حزنك واستنكارك لما نفعل نحن وأهلونا ، في الذهاب إلى الحج ، وفي استقبال العيد بما اعتاد المسلمون أن يستقبلوه .. أجبنا أستاذنا الحبيب .

ـ اسمعوا يا شباب ، وعُوا ماذا سأقول .

صاح الطلاب :

ـ تفضل أستاذ .

قال الأستاذ محروس :

ـ العيد عيد المسلمين ، كل المسلمين ، وليس عيد الأغنياء فقط ، أليس كذلك ؟

الطلاب : بلى أستاذ .

الأستاذ : أعرف وتعرفون عدداً من الأفاضل ، حجوا أكثر من مرة ، وأكاد أجزم أنهم ، أو أن بعضهم ، أو أن كثيراً منهم يحجون سمعة .. ليقول الناس ، أو هم يقولون مفتخرين : هذه ثاني حجة .. هي ثالث حجة ، وهم يعرفون أن آلاف الشهداء والأسرى والمعتقلين ، الذين يقبعون في سجون العدو ، يعانون ألوان القهر والعذاب من سجانيهم ، ومن حال أسرهم التي فقدت المعيل ، الذي استشهد ، أو اعتقل وصار سجيناً ليس له حيلة .. أليس هذا هو الواقع يا شباب ؟

الطلاب : بلى أستاذ .

الأستاذ : أسر الشهداء والمعتقلين وعائلاتهم تعاني من الفقر .. من المرض .. من الحاجة بأنواعها .. ألم يكن من الأولى ، من الواجب أن ينفقوا أموالهم على تلك العائلات .. على زوجات الشهداء والأسرى .. على أطفالهم الذين حرموا من آبائهم ، ومن إخوانهم ، ورفع الأستاذ صوته وصار يصرخ :

ـ يا حجي .. يا حجاج ، تعالوا انظروا أحوال الفقراء الذين يملؤون دنيانا .. تعالوا سدّوا حاجاتهم .. داوا مرضاهم .. اكسوا أطفالهم .. رمّموا بيوتهم ، أشبعوا بطونهم .. يا ناس .. يا حجاج .. يا من حججتم حجة الفريضة .. الواجب عليكم أن تصرفوا أموالكم على هذه العائلات المسكينة .. لا أن تصرفوها في حج النافلة ، لتتباهوا بها أمام بعضكم البعض .. يا حجاج بيت الله الحرام .. يا ناس .. يا هو .. يا من تشترون لأطفالكم الثياب الجديدة ، بينما أطفال تلك العائلات .. عائلات الشهداء والسجناء المجاهدين الأبطال ، ينظرون إلى أطفالكم والدموع تملأ عيونهم ، وأمهاتهم تأكل الحسرات قلوبهنّ ..الحزن على أزواجهن ، الدموع تغسل خدودهن .. والشيوخ والعجزة ينظرون إليكم أيها الحجاج في انكسار ، فهيا أغيثوهم .. أغيثوا نساءهم وأطفالهم .. اشتروا لهم كما تشترون لنسائكم وأطفالكم ، حتى تخففوا عنهم .. حتى يشعروا بالعيد كما تشعرون ، إكراماً لشهادة الشهداء ، ولأسر الأسرى ، لغياب أولئك الأحباب عن عائلاتهم الكريمة .. أليس هو المطلوب يا شباب ؟

الطلاب : بلى أستاذ .

الأستاذ : أليس بهذا يكون العيد ؟

الطلاب : بلى أستاذ .

الأستاذ : إذن هيا قوموا بواجبكم تجاه أولئك الحزانى من الأرامل وأشباه الأرامل .. عرفوا الأغنياء بواجبهم نحو المعذبين من عائلات الشهداء والسجناء ، وإلا .. فلا عيد .. فلا عيد .. فلا عيد .. أليس كذلك يا شباب ؟

الطلاب : بلى أستاذ .

الأستاذ : نظموا حركتكم ، وانطلقوا نحو هؤلاء وأولئك ، وأشركوهم معكم في الفرح بالعيد السعيد .. هيا يا شباب هيا إلى العمل ، فهذه هي عبادة الوقت ، هذه هي العبادة التي يرضى عنها الله ..

 




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2017                    

www.al-fateh.net