العدد 354 - 01/01/2018

ـ

ـ

ـ

 

قصة: هناء سيف الدين

لم تكن مريم تحب المساعدة، فكلما استعان بها أحد الأصدقاء كانت ترفض مساعدته، ففي يوم من الأيام نسيت صديقتها أدواتها المدرسية ، فاستأذنت من مريم أن تستخدم معها علبة الألوان ، لكن مريم اعتذرت قائلة : آسفة ، لا أحب أن يستخدم غيري أشيائي، وذات يوم كان زملاؤها يعلقون اللوحات بالفصل ، وعندما طلبوا منها المساعدة ، رفضت بحجة أنها متعبة ، وتكرر رفضها أيضا لمعلميها ، فعندما طلبت منهم أن يضعوا الأدوات الموسيقية في أماكنها المعتادة، اعتذرت بحجة أنها ثقيلة ولا تقوى على حملها، حتى العم مرزوق بستاني حديقة المدرسة عندما كان متعبا وساعده الأصدقاء في تقليم الشجر والحشائش ، لم تشترك مريم معهم ، بل قالت لهم : لا أحب هذا العمل فهو عمل شاق.

تكررت اعتذارات مريم ، حتى بالبيت ، فلم تكن تلبي حاجة أمها في مساعدتها في أي شيء، وكانت تتحجج بعمل الواجب أو برغبتها في النوم.

وفي ليلة كان القمر بدرا كاملا ، فظلت مريم تتطلع إليه طويلا ، من نافذة حجرتها ، وفجأة ، ظهر منه وجها لفتاة جميلة تشع نورا تبتسم لها ، غلب النوم على مريم، فأغمضت عينيها واستسلمت لثبات عميق.

ثم رأت في المنام فتاه القمر النورية، تدعوها برحلة إليه ، تعجبت مريم وسألتها :

- كم كنت أتمنى تلك الرحلة ، ولكن كيف سأذهب إلى القمر دون مساعدة ؟

- سأحضر لك الزورق الذهبي للنجمات ، كي تحملك إليه.

ولما كانت مريم تعشق القمر وتتمنى أن تراه عن قرب ، فرحت بالرحلة وسرعان ما استعدت لتنتقل إليه في الزورق الذهبي

***

وجاء الزورق الذهبي إلى حجرتها ، وعندما همت أن تركبه ، ظهرت الفتاة صاحبة الوجه النوري، وأوقفتها قائلة :

- لن تستطيعي الركوب الآن ، فليس لديك مقعدا ، جميع مقاعد الزورق خاصة بالنجوم

- وكيف سيكون لي مقعدا ؟

- ساعديني في غزل مقعد لكب الزورق

- ولكني لا أعرف الغزل!

- أحضري سنابل الذهب المنثورة من الشمس على حديقتك ، وجمعيه في هذه السلة

***

أعطت الفتاة السلة لمريم ، وخرجت مريم إلى الحديقة ، وظلت تجمع سنابل الشمس الذهبية المنثورة على الأرض ، حتى امتلأت السلة على آخرها ، حاولت مريم أن تحملها ، لكنها لم تستطع ، فقد كان النور فيها ثقيلا للغاية .

ظلت تبحث في حديقة المنزل عمن يساعدها ، فلم تجد إلا بعض الطيور المشغولة بالتقاط طعامها من حبوب الأرض ، وحين طلبت منهم المساعدة ، رفضوا قائلين : ولمَ نساعدك ، وأنت لم تساعدي أمك يوما في إطعامنا؟

تركتهم مريم وأخذت تبحث عمن يساعدها ، فوجدت قطتها مستلقية في بقعة شمسية تنظف فروتها ، ورفضت أيضا مساعدتها قائلة: أنت لم تساعديني يوما في تنظيف فروتي ، فكنت لا تحمميني أبدا وتتركيني ألعق فروتي وحسب .

***

خجلت مريم من قطتها وصارت تبحث عمن يساعدها ، فوجدت بطها يسبح في البركة ولمّا طلبت منه المساعدة ، اعتذرت قائلة : معذرة يا عزيزتي ، أنت لم تساعدينا يوما في تنظيف مياه بركتنا ، وكنت تتركين أمك تغير لنا الماء وحدها .

احتارت مريم : من سيوافق ويحمل معها السلة ، حتى تذهب بها إلى الفتاة النورية لتغزل المقعد؟

لم تتركها زهور عباد الشمس في حيرتها، فقالت لها :

- حسنا يا مريم ،سنحمل معك سنابل الشمس التي جمعتها ، ولكن بشرط أن تقدمي المساعدة للجميع

راحت مريم تقدم الحبوب للطيور ، وتحمم القطة ، وتنظف ماء البركة ، وأخذت تروي الحديقة ، فتنتعش الأزهار والأشجار وتتمايل شاكرة لها ، فرح الجميع بمساعدتها لهم ، فجرت الطيور والقطة والبط يحملون السلة ، وساعدتهم زهور عباد الشمس

وأخيرا أوصلت مريم سنابل الشمس إلى الفتاة النورية ، صاحبة الوجه الجميل ، فغزلت لها مقعدا وصحبتها في رحلة جميلة إلى القمر.

صحت مريم من نومها ، ورأت نور الشمس يملأ حجرتها ، فتذكرت حلمها، وابتسمت للضوء قائلة : أعدك أيتها الشمس الطيبة ، أن لا أرفض المساعدة لأحد بعد اليوم

 




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2018                    

www.al-fateh.net