العدد 355 - 15/01/2018

ـ

ـ

ـ

 

قصة : د. طارق البكري

قالوا لها إن اسمها نجمة بحر.. ومن يوم ولادتها وهم ينادونها بهذا الاسم..

تعرفت خلال طفولتها على كثير وكثير من نجوم البحر الصغيرة والعملاقة.. بكل الأشكال والألوان والأحجام..

ومن النجوم ما يشبهها ومنها ما يختلف عنها لكثرة أنواع النجوم وتعدد أصنافها..

وذات مساء طافت النجمة فوق سطح الماء.. وكان القمر بدراً منيراً يملأ الأفق نوراً وضياء..

والقمر أجمل ما يكون عندما يكون بدراً كاملاً.. كأنه ابتسامة تشرق في ليل سعيد.

ألقت النجمة الملساء جسدها الناعم الجميل على سطح الماء..

رفعت عينيها نحو السماء بكبرياء.. وكان المنظر بديعاً ومليئاً بالجمال وبالبهاء والغنج والدلال.. تأملت النجمة الحالمة القمر مدة طويلة..

كان خيالها يطير.. يطير، ويسرح مع الغيوم الخفيفة إلى أبعد نقطة في الفضاء..

رأت حول القمر نجوماً متلألئة.. هنا وهناك.. وفي كل الأفق.

سألت سمكة تمر أمامها بخفة ورشاقة: "ما هذه الأشكال اللامعة في السماء أيتها السمكة الحسناء؟".

قالت لها السمكة بكل لطف، وقد أدركت أنَّ النجمة لا تزال يافعة صغيرة في السن، وأنها من سكان الأعماق، ولم تر مثل هذا المشهد البديع من قبل:

"هذا الكبير الأبيض المنير - يا نجمتي الحلوة - يسمى القمر، وشكله اليوم ضخم وجميل يسر الناظرين.. ومن حوله نجوم لامعة، وهو في كل يوم له حال.. يكون يوماً مثل خيط رفيع نصف دائرة.. ويكبر يوماً بعد يوم.. وبعد أسبوعين تقريباً يصبح كاملاً، ثم يعود يصغر ويصغر حتى يصبح مثل خيط كما كان.. ويختفي من بعدها ليلة أو ليلتين.. ثم يعود خيطاً رفيعاً.. وهكذا تدور دوائر القمر".

ثم مضت السمكة في سبيلها..

تعجبت النجمة.. وقالت: "أنا نجمة في البحر.. وهذه نجوم في السماء.. وهذا يعني أننا مثل بعضنا.. وربما كنت أنا في يوم من الأيام نجمة في السماء قبل أن أقع وأسقط على البحر ربما وقعت لأني لم أكن مثبتة بشدة على صفحة السماء.. وعندما سقطت انطفأ ضوئي في الماء.. وظل الجميع يسمونني نجمة لكن دون بريق"..

فكرت النجمة من جديد.. وقالت بعد تفكير طويل:

  "نعم.. لكن ربما كنت أساساً من البحر.. ولست نجمة سماوية بل بحرية الأصل.. ولو صح هذا الافتراض.. وأنا أعرف الكثير الكثير من النجوم البحرية.. لو صح هذا؛ لماذا ليس لدينا نجوم لامعة مثل نجوم السماء.. ولا يوجد عندنا قمر منير مثل قمر السماء؟".

 ومن يومها ونجمة البحر تبحث في أعماق البحار والمحيطات عن قمر تسميه (قمر البحر) يشبه قمر السماء.. قد يكون غرق في الماء منذ دهور طويلة.. ولم يعد أبيض منيراً مثل ذلك القمر الجميل.. انطفأ كما تنطفئ الشمعة..

لكنها رغم بحثها الطويل لم تجد قمراً في البحر يوماً.. وباتت تعتقد أنه ربما مع مرور الأيام أصبح مغموراً برمال قاع البحر.




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2018                    

www.al-fateh.net