العدد 356 - 01/02/2018

ـ

ـ

ـ

 

الحلقة 71

هتف التلاميذ للأستاذ محروس الذي غاب عنهم طوال شهرين ، راقداً في المستشفى الذي أجرى فيه عملية جراحية ، ثم في منزله .

وقف الأستاذ محروس أمام تلاميذه وحاول أن يواري أوجاعه خلف ابتساماته التي أرادها كتلك التي اعتادها تلاميذه ، ولكن دون جدوى .

وقف أنس ـ تلميذه النجيب ـ وحيّا الأستاذ تحية طيبة ، مترعة بالعاطفة والحب والوفاء والحنين ، وختمها بالدعاء له بالشفاء والعافية ، ليعود خيراً مما كان ، قبل العملية .

ردّ الأستاذ محروس التحية بأحسن منها ، وشكر تلاميذه على عواطفهم النبيلة ، ثم قال :

ـ لقد كان مرضي فرصة لمراجعة ما كان في سيرورتي الحياتية ، فالإنسان ـ يا أحبابي الغالين ـ معرّض في حياته لمدٍّ وجزر ، يصعد أحياناً بفكره وروحه حتى يبلغ الثريا ، وأحياناً يهبط من عليائه ، وإذا هو شخص عاديّ كسائر الناس ، يخطئ كما يخطئ الإنسان العادي ، حتى إنه يحتقر نفسه الخطاءة ، ويتوارى خلف أخطائه ، ويبكي كما يبكي سائر الناس ، بل يبكي كما يبكي الأطفال عندما يخطئون في حياتهم ، بل كما يبكي التلاميذ الصغار عندما يرسبون في الامتحانات ..

ولاحظ التلاميذ دمعتين تنزلان من عيني الأستاذ محروس ، ويلتقطهما الأستاذ محروس بمنديله الناصع البياض ، وهو يستدير نحو السبورة ، كيلا يراهما تلاميذه النجباء .

وقف ثائر وقال في انفعال :

ـ ما كنت أتخيل أن أرى عينيك تدمعان يا أستاذنا الحبيب .

وقال محمود :

ـ لا يا ثائر .. أنا ما نسيت استشهاد أستاذنا الحبيب ببيت شعر جميل :

قولوا لمن بدموع العين عيّرنا

تبكي الرجال ولا تبكي التماثيل

وهتف مصطفى :

ـ الله أكبر .. ما أروع هذا الكلام .

استدار الأستاذ محروس نحو تلاميذه مبتسماً وقال :

ـ بوركتم أيها الشباب .. لقد ذكرتموني بهذا البيت البديع .. فالرجال يبكون على هفواتهم .. على تقصيرهم تجاه ربهم ، تجاه أهلهم ، تجاه أحبابهم ، تجاه شعبهم ، تجاه أمتهم ، لتكفير ذنوبهم ، لفقد أعزائهم .

أنس : حتى الرسول القائد صلى الله عليه وسلم ، بكى لوفاة ولده إبراهيم عليه السلام .

التلاميذ : عليه السلام .

سعيد : وقال عليه الصلاة والسلام :

(إن العين لتدمع ، وإن القلب ليحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا) .

أنس : وأنا أذكر ـ أستاذ ـ أنك حدثتنا عن الشاعر السوري العملاق : عمر بهاء الدين الأميري ، عندما ودعه أولاده عائدين إلى حلب ، بكى الأميري لفراقهم ، وكتب قصيدة بعنوان (أب) هي من روائع الشعر الإنساني ، وبكى لفراقهم ، وعندما شاهد أصحابه يستغربون بكاءه ، قال في ختام قصيدته هذه :

إني ـ وبي عزم الرجال ـ أب

وضجّ التلاميذ استحساناً لهذا الشطر من الشعر ، وقال الأستاذ محروس :

ـ أين أنا من ذلك الشاعر الكبير عمر بهاء الدين الأميري رحمه الله رحمة واسعة ، فقد كان رجلاً عملاقاً ، وشاعراً مبدعاً ، ومجاهداً عظيماً ، قلّ نظيره بين الرجال والدعاة والمناضلين .

صمت الأستاذ محروس لحظات ثم قال :

ـ على أي حال يا شباب .. أنا أبكي على خطيئتي ، وعلى تقصيري تجاهكم .. إي والله .. أبكي لأني مقصر تجاهكم ، ولا أجد لنفسي عذراً ، فسامحوني يا شباب ، وسوف نستأنف دروسنا إن شاء الله ، وبعون الله ، راجياً من المولى الغفار أن يعفو عني ، ويغفر لي خطيئتي يوم الدين .

 




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2018                    

www.al-fateh.net