العدد 357 - 15/02/2018

ـ

ـ

ـ

 

تأليف : حمدي عمارة

ذات مساء ، دعت الأم صغيرها العندليب " مغرد " ، وطلبت منه أن ينصت إليها حيث قالت له :

ـ عزيزي " مغرد " .. لقد درّبتك على فنون الطيران ، وعرّفتك أماكن الحَب والماء .. من الغد ستعتمد على نفسك ..

وهتف " مغرد " في فرحة :

ـ يا له من خبر سعيد ! ..

سعدت الأم بتعليق صغيرها ، وانتهزت الفرصة ، وراحت تقدم له الوصايا ؛ التي تفيده في حياته ومستقبله : وصيتي إليك أن نكون متسامحا ، وألا تخاصم أحدا ، وأن تكون مُحبّا للخير ، وصديقا للجميع .. الله معك يا صغيري ..

وتمنت له مستقبلا باهرا بإذن الله .. وبقدر سرور مغرّد ، كان شعوره بالقلق ! ، ودعا الله أن يعينه في الاعتماد على نفسه ، وما لبث أن نام مبكرا ، بينما يهتف في شوق :

ـ متى يأتي الغد ؟! ..

استيقظ " مغرد " مبكرا ، فلم توقظه أمه ذلك الصباح ، ويقف بباب العش ، معبّرا : ـ النسيم منعش .. ما أجمل الصباح ! .. فلأجرّب الطيران ..

هفهف بجناحيه بعيدا عن العش ، وجعل يحلق تارة ، ويحوم حول الشجرة تارة أخرى ، ثم حط فوق غصن ، مرددا في سعادة :

ـ نجحت ! .. نجحت ! .. لا وقت ، فلأسع إلى رزقي ..

وينطلق " مغرد " يشق الفضاء في أولى رحلاته صائحا :

ـ إلى أماكن الغذاء والماء ..

يلتقط الحَب : ما أشهى حبوب القمح ! ..

ويشرب من ماء الغدير : وما أعذب المياه ! ..

ويهفهف بجناحيه في سعادة : وما أحبَّ أن أعتمد على نفسي !. كبرت فعلا يا مغرد!

وراح يطير هنا وهناك ، معبّرا عن فرحته : يا لسعادتي ! .. كم أحب الحياة !

و .. حط في حديقة الورد والزهور، فوق الياسمينة، وجعل يحاور الفراشة :

ـ أنا العندليب " مغرد " ، وأنت ؟

ـ أنا الفراشة " رفيف " ..

ـ اسمك لطيف ، وأنت رقيقة وجذابة ! ..

ـ أشكرك .. وأنت صوتك جميل للغاية ! .. قل لي يا " مغرد " : ما رأيك في الصداقة ؟

ـ الصداقة أجمل معنى ، وأسمى علاقة ..

وعلى مدى الأيام ، لم ينس مغرد نصيحة أمه ، وكل يوم يكسب صديقا من الطيور الطيبة .. فها هو يداعب البلبل ، ويمازح أبا فصادة ، ويلهو مع الكناري ، وينتهز فرصة وجود الأصدقاء من حوله ، ويغنى معبّرا عن سعادته :

ـ ما أسعدني والرفاق من حولي . أحب الصداقة . أحب الرفاق !.. الصداقة أسمى معنى

وأنبل علاقة ..

وكم يعجب الرفاق بأنشودة " مغرد " ، ويعبّر كل عن رأيه :

البلبل : كلمات معبّرة ! ..

فصادة : وصوت عذب ! ..

كناري : وصديق رائع ! ..

وذات يوم .. حدث أمر مذهل ، إذ يرى " مغرد " فهدا يطارد غزالة صغيرة ، ظن أنهما يتسابقان ، فحلق فوقهما ليتابع السباق ، ولكن كانت الغزالة مذعورة .. وتأكد أنه لم يكن سباقا ، إذ قالت الغزالة في يأس شديد :

ـ لا أمل في النجاة .. لقد وقعت ! ..

تعبت الغزالة واستسلمت ، ووقفت تلهث وترتعش من فرط الخوف ، وتقول من بين لهاثها : هاه هاه ! .. ماذا تريد منى عزيزي الفهد ؟!      

ـ ستعرفين حالا غزالتي .. ها ها ها ! ..

كم ذهل " مغرد "، إذ هجم عليها الفهد بسرعة السهم ، واختطفها ! . وانبرى يقول :

ـ ماذا فعلت الغزالة الصغيرة ؟! .. وما ذنب أمها المسكينة وإخوتها ؟! و ..

توقف عن حديثه لنفسه ، إذ لفت نظره ؛ حمارا وحشيا يتعقب نعامة ، ليهتف في رهبة : يا للكارثة ! .. الحمار الوحشي يتعقب النعامة الطيبة ..

انطلق وكأنما أراد أن يحول دون الهجوم عليها ، وسمعها تقول في قنوط :

ـ لا فائدة ! .. سيلحق بي ! ..

واستسلمت النعامة ، وسرعان ما يهجم عليها ، ويختطفها ! .. لم يتبعهما " مغرد " ، وإنما آثر التوقف ، وجعل يتساءل :

ـ ماذا فعلت النعامة ؟! .. وما ذنب صغارها ؟! .. من الذي يربيهم ويرعاهم ؟! ..

وفي طريق عودته ، رأى أسدا ونمرا يتعاركان ، وبالقرب منهما زرافة مستسلمة ، وتقول بصوت مرتعش :

ـ دنا أجلى ، واقتربت نهايتي .. ومصيري في جوف الأسد ، أو في جوف النمر ..

ويؤكد " مغرد " :

ـ سيأخذها الأقوى .. يعنى الأسد .. سأذهب إلى مكان بعيد .. لا أحتمل بشاعة المنظر ..

ووقف فوق غصن الشجرة :      

ـ الجو هنا آمِن ، ويبعث على الراحة ..

وما لبث أن علته الدهشة :

ـ ما الذي أرى ؟! ..

يا للهول ! .. الظلم على الأرض ، والظلم أيضا في الفضاء ! ،إذ رأى نسرا كبيرا يطارد عصفورا : إلحقوني ! .. النجدة! .. النجدة ! ..

ويقول " مغرد " في نفسه :

ـ النتيجة معروفة .. آه ! .. ليتني قوى ! .. لم كل هذا الظلم ؟ .. وكيف يعيش الضعفاء ، والخطر من حولهم ؟ .. الخوف .. الخوف ! . من اليوم .. لا لعب ولا لهو.. ولا فرحة !

وينساب صوت " مغرد " معبّرا عن أحزانه والرفاق من حوله : 

ـ الظلم حرام .. حرااام !!

ولا يتوقف " مغرد " عن أغاريده المعبّرة ، فيغنى للفهد والنعامة والنسر :

ـ مسكينة أم الغزالة الصغيرة !.. ما ذنب صغار النعامة ؟. ماذا فعل عصفور الكناري ؟

ويواصل " مغرد " الأغاني ، والأسد والنمر ينصتان إليه في اهتمام :

ـ " الخوف في كل مكان وأوان ..الحياة كئيبة بالخوف .. الحياة جميلة ومشرقة بالحب "

والحمار الوحشي يتأمل النعامة ، ويواصل " مغرد " :

ـ " الصداقة أسمى معاني الحياة " ..

وذات صباح رأى " مغرد " العجب العجاب .. لم يصدّق عينيه ! .. ماذا ؟! .. الذئب يلهو مع الجدي الصغير : ماذا أرى ؟! .. أكاد ألا أصدّق !

والثعلب يداعب الأرنب : معقول ! .. هل أحلم ؟!

والقط  يلعب مع الفأر ، والحدأة تمازح الأفراخ :

ـ سبحان مغيّر الأحوال ! .

كان لأغاريد " مغرد " تأثيرا وسحرا على الوحوش ، لترقّ قلوبها ومشاعرها .. وكم يصعب وصف أحاسيس " مغرد " : 

ـ يكاد قلبي يطير من فرط السعادة ! ..لو كنت بشرا لتساقطت من عينيّ دموع الفرحة !

والفراشة " رفيف " ترفرف من حوله في سعادة ، قائلة في صدق :

ـ أهنئك عزيزي " مغرد " الفنان .. بفضلك زال الخوف وحلّ الأمان ..

ـ أشكرك صديقتي الرقيقة " رفيف " الجميلة ! ..

ويطوّق الأصدقاء عنق " مغرد " بعقد الفل ، وتهتف " رفيف " والفراشات :

ـ مرحبا " مغرد " .. بطل الأمن والسلام 

وتهتف الزهــور : مرحى " مغرد " .. رائد المحبة والوئام 

يا له من منظر جميل ! .. الزهور والورود المبتسمة والضاحكة ، والفراشات تتطاير من حوله .. ويلتقي " مغرد " أمه ، ويقول لها :

ـ أمي الحبيبة .. الدنيا كلها وطني .. أسألك الرحيل ، لأنشر الحب في مكان جديد في أرض الله الواسعة ..

ـ انطلق .. تصحبك السلامة يا حبيبي !.. الله معك يا " مغرد " ، ولتعد سالما غانما ! ..

ويمرق " مغرد " في الفضاء . ،،،

 




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2018                    

www.al-fateh.net