العدد 359 - 15/03/2018

ـ

ـ

ـ

 

الحلقة 73

دخل الأستاذ محروس إلى الصف متجهماً مقطب الجبين ، وعلامات الحزن ظاهرة عليه ..

وقف لحظات يتأمل في وجوه تلاميذه في ألم ، ثم ألقى السلام عليهم في نبرة حزينة ، وردّ التلاميذ التحية بأحسن منها ، كالمعتاد ، ثم جلسوا ، إلا التلميذ ثائراً فإنه لم يجلس ، بل بادر أستاذه بقوله :

ـ نحن نعرف سبب حزنك العميق يا أستاذنا العظيم ، ونحن مثلك .. بل كل الشعب حزين لما يجري لأهلنا وإخواننا في غوطة دمشق يا أستاذنا الجليل ، فما يجري من مجازر يرتكبها حكام الشقيقة الغالية سورية ، ومعهم كل أشرار العالم الذين غزوا سورية الحبيبة ، واحتلوها ، وارتكبوا ويرتكبون من الجرائم بحق الشعب السوري الصامد البطل ، ما لا يخطر على بال بشر ، من تقتيل للمدنيين الأبرياء ، ومن تجويع ، وتنكيل ، ما لا تفعله الوحوش الضواري في الغابات .

أنس : أرجو من زميلي ثائر أن يسحب كلامه عن الوحوش ، فهي تربأ بنفسها عن ارتكاب واحد في المليون مما يرتكبه الطيران الروسي ، والعصابات الأسدية ، والإيرانية ، والداعشية ، والأفغانية ، وعصابات حزب اللات الإيراني الذي يحتل لبنان الشقيق منذ سنوات ..

محمود : يا شيخ .. مئات الغارات الجوية يشنها الطيران الروسي والأسدي ، ومئات الصواريخ الفتاكة يطلقونها على الغوطة الشرقية ، وكل الأسلحة المحرمة دولياً استخدموها في إحراق الغوطة الشرقية ، كما أحرقوا مدينة حلب التاريخية العريقة في حضارتها ، وجمالها ..

مصطفى : بل قل يا زميلي .. كل المدن السورية دمّروها بطياراتهم ، وصواريخهم ، وقنابلهم العنقودية ..

ثائر (في ثورة وهياج) : حتى الأسلحة الكيميائية استخدموها ، وأحرقوا بها آلاف الأطفال ، والنساء ، وحتى الشجر ، والحجر ، لم يسلم من إجرامهم .

أنس : كله كوم ، ومناظر الأطفال الذين يتضورون من الجوع حتى الموت ، كوم .. ألم تشاهدوا الأطفال البرآء جثثاً محروقة ؟

ثائر : والمجتمع الدولي المتحضر يتفرج كما يتفرج على فلم سينما ، والعرب كأنهم طرشان ، عميان ، لا يرون ولا يشاهدون تلك المناظر التي تحرك الحجر .

محمود : يا حسرة على العرب ، والأخلاق العربية ، والنخوة العربية ، والمروءة العربية ، والكرم العربي ، والنجدة العربية .. يا ويحهم .

ثائر : بل قل : يا ويلهم مما ينتظرهم في قابل الأيام .

تنحنح الأستاذ محروس ، إيذاناً بالكلام ، فسكت التلاميذ ، وهدأت حركاتهم وأنفاسهم ، وعيونهم مشدودة إلى الأستاذ الذي قال :

ـ كل ما قلتموه يا شباب صحيح .. ولكنه جزء يسير من الحقيقة .. يسير جداً .. لا يساوي واحداً في المليون مما جرى ويجري لأهلنا الأبطال في الغوطة الشرقية التي هي جنة الله في الأرض .. من أجمل بلاد الدنيا .. أحرقها الأشرار القتلة المجرمون بدم بارد ، كما يقولون ، وكل أهل الأرض يتفرجون بلا ضمير .. هذا هو الجانب المظلم مما يجري على الأرض السورية ، ولم يجر مثله في كل بقاع الدنيا ، ولا في الحربين العالميتين الأولى والثانية .. هذا من جانب ، وأما الجانب المشرق والمبشر بميلاد جيل جديد في سورية ، فهو صمود أهل الغوطة الشرقية في وجوه كل أشرار الأرض ، وبطولاتهم .. بطولات الشباب بأسلحتهم الفردية ، وبأسلحتهم التقليدية ، بصدورهم العامرة بالإيمان .. الإيمان .. هذا السلاح الذي لم ينهزم أبداً أمام الجيش الروسي المجرم .. وأمام العصابات الإيرانية والأسدية الموغلة في وحشيتها وقذارتها وحقارتها .. جيل جديد يتشكل الآن في غوطة دمشق .. فسطاط المسلمين ، كما سماها الرسول القائد محمد

الجميع : صلى الله عليه وسلم ..

الأستاذ (متابعاً) : هذا الجيل البطل .. الجيل المجاهد المقاوم الفريد ، سيكون قدوة ليس للشباب السوري وحده ، ولا للشباب العرب فقط ، بل لشباب أهل الأرض كلها .. قد يباد .. قد يبيده السلاح الروسي ، والسلاح الإيراني ، والسلاح الأسدي ، ولكنه سيبقى حياً في قلوب أصحاب القلوب والعقول من العرب ومن غير العرب ، والذي يهمني اليوم .. العرب .. الجيل الجديد من الشباب العربي ، سوف يتخذ من شباب الغوطة منارات يهتدون بها .. وسوف ترون .. وسوف يرى الذين قد يضحكون من كلماتي المتفائلة هذه .. سوف يرون جيل الثائر .. جيل الهدم والبناء .. جيل مصعب ، وأبي بصير ، وأبي جندل ، وأسامة ، وابن القاسم الثقفي ، جيل قطز وصلاح الدين وأحمد ياسين .. وإن غداً لناظره لقريب ..

التقط الأستاذ محروس دمعات حرى بكلتا كفيه ، ثم قال في حرقة وانتشاء :

ـ إذا ذكرتم الغوطة فاذكروا بطولات أهلها ، كل أهلها ، من النساء والأطفال والرجال معاً .. لا تنسوا جرائم المجرمين الروس والإيرانيين وأذنابهم في لبنان والعراق وسورية ، وسواهم من أشرار الأرض ، اكتبوها في قلوبكم وعقولكم ، واجعلوها على رؤوس ألسنتكم ، وأنتم تتحدثون عن ثارات العروبة والإنسانية والإسلام على مدى الزمان .. إلى أن يقوم الناس إلى الجبار الديّان سبحانه ..

ولكن تذكروا واذكروا التضحيات الهائلة التي قدمها أهلنا في الغوطة ، اذكروا صمودهم ، وبطولاتهم ، وما سوف يكون من الجيل الجديد الذي يتشكل في هذه الأيام نعم في هذه الأيام الدامية .. الغارقة في الدماء .. والله غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

 




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2018                    

www.al-fateh.net