العدد 361 - 15/04/2018

ـ

ـ

ـ

 

قصة : نادية كيلاني

نعق غراب.. من ورائه غراب.. من ورائه غراب.. استعدت مجموعة الغربان للطيران في اتجاه المكان الذي أشار إليه النعيق.. وعندما استعد أحد الغربان للطيران أمسك به ابنه:

- ماذا حدث يا أبي.. لمَ كل هذه الغربان تطير.

- يا بني جاءت إشارة أنه في الحقل المجاور محاكمة لغراب اعتدى على أنثى غراب آخر، وجاري محاكمته.

- خذني معك يا أبي أشهد المحاكمة وأعرف كيف تتم.

- قد لا تقوى على ما ترى.. ولكن هيا بنا.

     وقف جمع من الغربان في شبه دائرة.. وهناك غربان يمثلون هيئة المحكمة.. ثم فوجئ الغراب الصغير.. بثلاثة غربان جاءوا ووقفوا في منتصف الدائرة.. ثم ابتعد قليلا الاثنان اللذان في الطرفين وبقي من كان في وسطهما.

     نعق رجال هيئة المحكمة بالحكم، وعندها نكس الغراب رأسه وضم جناحيه وأمسك عن النعيق خجلا واعترافا بذنبه.

    صدر الحكم بالإعدام، فوثبت جماعة الغربان على المذنب توسعه ضربا وتمزيقا بمناقيرها الحادة .

    ارتعد الغراب الصغير وأخذ يشد والده ليبعده عن ضرب الغراب.

فاستدار له والده وقال:

- هذا واجبي يا حبيبي، وهذا جزاء يستحقه على ما قام به من فعل.

- صاح الصغير.. لقد مات الغراب المسكين.. قال أبوه:

- لا تقل مسكينا.. لقد أخطأ خطأ كبيرا، والعدل في الغربان غريزة فطرية.

   تقدم عدد من الغربان وأخذوا يحفرون في الأرض بمناقيرهم ومخالبهم حفرة عميقة ومناسبة لحجم جسم الغراب.

      ثم حملوا الغراب الذي أقاموا عليه الحد، ووضعوه في الحفرة ثم ضموا جناحيه إلى جنبه، ثم أهالوا عليه التراب حتى اختفى تماما.. ثم بدأت الغربان في الانصراف، إلا الغراب الصغير لم يقو على الطيران:

- هيا يا بني.. لابد أن نذهب لنستريح، فهناك محاكمة أخرى وعلي أن أحضرها.

- ستدفنون غرابا أخرا.

- لا سوف ننتف ريشه فقط.

- ولماذا يا أبي؟

- لأنه قام باغتصاب طعام الفراخ الصغار. وهنا تقوم جماعة الغربان بنتف ريشه حتى يصبح عاجزا عن الطيران كالفراخ التي لم يكتمل ريشها‏.

 - هذا يستحق كيف يأخذ طعام أفراخ لا تقوى على الطيران.!!

- يابني هذا لكل جريمة عندنا عقوبتها التي تناسبها.‏

ثم رفع الأب رأسه للسماء وقال:

- إنني أسمع دعوة للقصاص.. وها هم قادمون.

    حط جماعة من الغربان في شبه دائرة، وأتوا بالغراب المذنب وضعوه في المنتصف، ثم تلت هيئة المحكمة الحكم، وعندها طار الغراب المذنب والكل يتابعه، وحط على إحدى الشجرات وأخذ يعمل بهمة ونشاط يجمع الأفرع ويرصها بطريقة معينة حتى بنى عشا كبيرا وجميلا، ثم طار ورجع مكانه وسط الدائرة.

نظر الصغير إلى والده وقال:

- لم أفهم شيئا.

- هذا الغراب قام بهدم عش لصغار، فحكم عليه ببناء عش جديد.

- فقط !! لابد من عقاب أكثر من ذلك.

- لو كرر هذا الغراب الفعل سوف يحكم عليه بالطرد من الجماعة.

الصغير:

- وهذا هو العدل الإلهي.

- أرأيت كيف تكلمتَ بالفطرة، اعلم يا صغيري أن الغراب أذكي الطيور وأمكرها على الإطلاق‏.

- تقصد لأنه عرَّف البشرية كيفية دفن موتاهم؟!

- نعم.. ونحن أيضا ندفن موتانا‏,‏ ولا نتركها للجوارح والحيوانات المفترسة أو للتحلل في الجو صونا لكرامة الميت، وترفقا بالبيئة.

- أهذا هو سبب الذكاء؟!

- ليس فقط، إنما الغراب يملك أكبر حجم لنصفي المخ بالنسبة إلى حجم الجسم في كل الطيور المعروفة‏.

- وهذا يميزنا في والإدراك‏,‏ والذاكرة‏,‏ والقدرة على الاتصال‏,‏ والتحايل على حل المشكلات‏.

- نعم يابني وأنت ترى كيف نبني مجتمعات دقيقة التنظيم‏,‏ ونقوم بالعديد من الأعمال الجماعية كالصيد‏,‏ والدفاع‏,‏ ورعاية الصغار‏‏,‏ والبناء الجماعي للأعشاش‏,‏ ولنا محاكم تلتزم قوانين العدالة الفطرية‏,‏ تحاكم أي فرد يخرج على نظامها.. والآن هيا يا صغيري لكي أعلمك صنعة تعجبك وتريحك.

- ما هي؟!

- أعلمك كيف تصيد السمك بمهارة‏,‏ وترطب الطعام الجاف بالماء.‏

- ليس الآن يا والدي أنا أشعر بالجوع.

رفع الأب رأسه لأعلى الأشجار وهو يدور بينها بعينيه ثم قال:

- استعد  لنذهب إلى البستان المجاور فبه ثمار ناضجة ومختلفة .

تنقل الاثنان من شجرة لشجرة وأخذا يلتهمان الثمار بشهية، ثم صاح الصغير:

- أبي خذ ثمرة جوز الهند هذه وافتحها لي.

أخذ والده الثمرة وألقى بها على الطرق، اندهش الصغير وقال:

- لماذا يا أبي؟! سوف تدوسها السيارات، وأنا أريد أن أكلها.

الأب:

- وهو المطلوب، نحن نفعل هذا مع الثمار الصلدة كي تقوم السيارات بدهسها.

- طاخ.

أسرع الغراب الصغير والغراب الكبير إلى الثمرة التي كسرتها السيارة والتقط كل منهما نصفها و.. طار.

 




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2018                    

www.al-fateh.net