العدد 363 - 15/05/2018

ـ

ـ

ـ

 

نسيبة طالب

كم أشعر بالسعادة وأنا أرى تلك الغراس الصغيرة وهي تنمو وتكبر بسرعةٍ لتصبح أشجاراً باسقةً  شامخةً لاتخشى ريحاً أو عاصفةً أو حتى محتلاً ..

مرَّ عامان على ذلك اليوم ، ولكنّ أحداثه مازالت حاضرة في مخيلتي كأنه الأمس . لازلت أذكر عندما أيقظتنا أمي في الصباح الباكر وقالت لنا وابتسامة جميلة تزين وجهها : (هيا يا أحبائي انهضوا بسرعة فاليوم سنذهب لجني ثمار الزيتون )

نهضت من فراشي مسرعاً وأنا لا أكاد أصدق أنّ هذا اليوم قد حلّ أخيراً .

جهزنا أنفسنا وتناولنا فطورنا على عجل ، وانطلقنا نحو الحقل والسعادة تغمر قلوبنا ، راح كلّ واحد منا يذكر الأشياء التي يرغب بشرائها بعد أن نحصل على المال لقاء بيعنا لمحصول الزيتون .

أخي أحمد راح يصف لنا بلهفةٍ البنطال الذي يريد شرائه ، بينما أختي الصغيرة سلمى تحدثت مطولاً عن الحذاء الأحمر ذي الوردة البيضاء وعن الفستان الوردي ذي الياقة المزركشة ، أما أنا فقد كنت أرغب بالحصول على حقيبةٍ مدرسيةٍ جديدةٍ .

وما أن اقتربنا من الحقل حتى تسمرنا في مكاننا فقد رأينا جرافتين كبيرتين تقتلعان أشجار الزيتون من حقل جارنا ، ورأينا عدداً من جنود الاحتلال يحيطون بالمكان ، كانت زوجة جارنا تبكي بحرقةٍ بينما كان هو يصرخ في وجه الجنود ويحاول مع أبنائه منعهم من اقتلاع المزيد من الأشجار .

أسرعنا باتجاه حقلنا فصعقنا لهول ما شاهدناه فقد كانت جميع الأشجار مقلوعة من جذورها وعندها انهارت آمالنا وتبخرت أحلامنا ، بدأ إخوتي بالبكاء بينما كادت والدتي أن تسقط على الأرض ، أسرعت نحوها وأجلستها على حافة الطريق والدموع تنهمر من عيني بغزارة .

لازلت أذكر كيف استجمعت والدتي قوتها بسرعة ووقفت وهي تحاول إخفاء دموعها وضمتنا إلى صدرها وقالت لنا :( لا بأس يا صغاري ، لا تحزنوا ، فحتى لو اقتلعوا الأشجار فنحن لن نضعف أو نستسلم وسنزرع بدلاً منها أشجاراً جديدة ، لا تيأسوا وكونوا أقوياء فمهما فعلوا بنا لن نسمح لهم أن يقتلعوا الأمل من حياتنا وسنسعى دائما لنزرع الحياة)

وهاهي الأشجار الجديدة اليوم قد نمت وأينعت وقريباً إن شاء الله ستعطينا ثماراً وفيرةً . وهاهي تعلن أنها أقوى من الاحتلال .

 




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2018                    

www.al-fateh.net