العدد 366 - 01/07/2018

ـ

ـ

ـ

 

قصة : د. طارق البكري

انتهت اختبارات اليوم الأخير في المدرسة، وبدأت العطلة الصيفية.

أخبر نعسان والديه أنه يريد أن يريد أن يعمل في أشهر الصيف لكي يملأ وقت الفراغ بشيء مفيد، بدل الجلوس في المنزل معظم الوقت والبقاء أمام التلفزيون أو اللعب بالأجهزة الإلكترونية المتعددة..

فرح أبو نعسان بهذه الفكرة، وبعد التشاور مع زوجته وافق الأب والأم معاً، وسألا ابنهما عن العمل الذي يريد أن يعمل به؟ وما هو نوع العمل الذي يناسب شاباً صغيراً انتهى للتو من الصف السابع؟

كان نعسان يريد الاعتماد على نفسه ولا يريد أن يساعده أحد في البحث عن عمل، فقال:

"في الصباح شاهدت إعلاناً في المكتبة القريبة من بيتنا في نهاية الشارع.. يطلب صبياً للعمل.. وقد سألت صاحب المكتبة فرحب كثيراً بأن أعمل عنده.. لكنه حذرني من أن العمل في المكتبة متعب.. وأن علي أن أحضر في وقت مبكر، وأن أنقل الكتب وأوزع الصحف.. وأنظف الأرض يومياً.. فطلبت منه أن يمهلني حتى يوم غد لأن اليوم هو آخر يوم لي في المدرسة.. وعندما انتهيت من الامتحان، وكنت في طريق عودتي إلى البيت، مررت على المكتبة واتفقت مع صاحبها.. وغداً إن شاء الله سأبدأ العمل"..

قال الأب ضاحكاً:

"رائع.. رائع.. يا نعوس.. هذا يعني أنك رتبت كل الأمور بمفردك دون الحاجة إلينا.. وقبل أن تستأذننا.. على أي حال لا بأس.. على بركة الله.."..

وتابع الأب بعد أن رسم على وجهه علامات الجدية:

"لكن لماذا لم تخبرنا قبل أن تتفق معه يا نعوس؟".

أجابه نعسان بخجل: "آسف يا أبي.. لقد خشيت أن يتفق مع أحد غيري وأفقد هذه الوظيفة".

الأب: "إجابة منطقية يا نعوس.. جيد.. لكنْ لم تقل لنا هل اتفقتم على قيمة الراتب الذي ستحصل عليه.. وهل سيكون الراتب أسبوعياً أن شهرياً؟"..

نعسان: "أخبرني صاحب المكتبة أنه سيكون عملي في البداية تجربة لمدة يومين... وبعدها يقرر التفاصيل".

قال الأب مبتسماً: "آه.. في الحقيقة.. معه حق بذلك.. وعليك - إذن - أن تقدم له أفضل ما لديك..".

كانت سعادة الأب كبيرة بطفله الشاب الصغير.. لكنه يعرف أنه كسول بعض الشيء ويحب النوم أكثر من النشاط والعمل..

التفت الأب إلى يمينه وقال فخوراً بولده: "صار ابنك شاباً يا أم نعسان، ويريد أن يعتمد على نفسه.. جيد.. على بركات الله، غداً إذن سيكون بدء سجل حياتك العملية .. بالتوفيق يا نعوس"..

وقف الابن معتداً بنفسه.. ثم رفع رأسه وقال: "بما أني أصبحت من الشباب العاملين.. أرجو أن لا تناديني بعد اليوم بنعوس.. أنا من الآن فصاعداً.. نعسان.. نعسان وبس..".

قال الأب والأم بصوت واحد: "كما تشاء.. يا نعسان وبس".

وفي المساء.. وفيما كان نعسان يتابع التلفزيون.. قال له أبوه:

"هيا يا نعسان إلى النوم.. عليك أن ترتاح لتكون نشيطاً في الصباح، كيلا تتأخر عن العمل".

لكن نعسان كان يتابع فيلماً ممتعاً فقال لأبيه: " عندما ينتهي الفيلم يا أبي... إنه فيلم رائع وجديد وهذه أول مرة يعرضونه على التلفزيون".

فذهب الأب والأم إلى النوم.. وبقي نعسان حتى انتهى الفيلم..

ثم مضى الوقت ونعسان يقلب محطات التلفزيون، دون أن ينتبه إلى أنَّ الليل قد انتصف.. وأنَّه قضى معظم الليل بالسهر.. وأدركه النُّعاس فنَام وهو جالس على الكنبة..

وفي صباح اليوم التالي فوجئت الأمُّ بأن ابنها لم ينم في سريره..

وحاولت إيقاظه لكنه لم يستيقظ بسهوله..

قال نعسان لأمه: "ليس عندي اليوم مدرسة.. دعيني أكمل نومي"..

قالت له أمه: "أنسيت يا نعسان أن عليك الذهاب إلى المكتبة"..

عندما سمع نعسان هذه الجملة هبَّ من نومه مذعوراً، وارتدى ملابسه بأقصى سرعة، ثم خرج من المنزل دون أن يتناول فطوره..

وعندما وصل إلى المكتبة وجد صاحبها يقف عند بابها ويراقب صبياً يكنس الرصيف..

اقترب نعسان وألقى تحية الصباح وحاول دخول المكتبة.. لكن صاحب العمل ظل واقفاً عند الباب موجهاً أصبعه إلى زجاج المكتبة، مشيراً إلى إعلان جديد: (مطلوب صبي نشيط للعمل).

لاحظ نعسان أنه أضاف كلمة (نشيط) إلى الإعلان في واجهة المكتبة..

فقال صاحب المكتبة وهو يراقب الصبي الذي كان ينظف المكان بنشاط كبير:

"من فاته اليوم الأول من العمل لكسله؛ فإن العمل لا يحتاج إليه.. ومن نام عن عمله؛ فإنَّ هناك شخصاً آخر أحق بالعمل منه".

وقبل أن يتفوه نعسان بكلمة واحدة.. تابع صاحب المكتبة كلامه قائلاً:

"أنا أريد صبياً نشيطاً ولا أريد صبياً كسولاً يأتي إلى العمل متأخراً.. حتى أنه لم يسرح شعره.. اذهب يا بني  وفكر بما قلت لك.. وابحث عن عمل آخر يناسبك.. واعلم أن العمل لن ينتظرك حتى تأتي براحتك.. وأرجو أنك تستفيد من درسك الأول في العمل".

وعاد نعسان إلى بيته حزيناً وهو يفكر ماذا سيقول لأمه مبرراً فشله في اليوم الأول من العمل.

 




أعلى الصفحة

ـ

ـ

ـ

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح © 2018                    

www.al-fateh.net