|
يذكر
المسعودي في كتابه (مروج الذهب وجواهر
المعدن) هذه العلامات قائلاً:
(بالقبّة
الفلانية كنز عظيم.
قال عبد العزيز:
- وما
مصداق ذلك؟.
قال:
هو أن يظهر لنا بلاط من المرمر والرخام
عند يسير من الحفر، ثم ينتهي بنا الحفر
إلى قلع باب من الصفر، تحته عمود من
الذهب، على أعلاه ديك من الذهب، عيناه
ياقوتتان تساويان ملك الدنيا، وجناحاه
مضرّجان بالياقوت والزمرّد، وبراثنه
على صفائح من الذهب على أعلى ذلك
العمود.
فأمر
له عبد العزيز بنفقة ألوف من الدنانير
لأجرة من يحفر من الرجال في ذلك ويعمل
فيه).
وهكذا
بدأ مئات من العمال التنقيب في الهرم
تحت إرشاد ذلك الرجل، فحفروا حفرة
كبيرة جداً في الأرض ومنها شقّوا نفقاً
داخل الهرم فظهرت لهم العلامات الأولى
التي ذكرها الرجل للأمير عبد العزيز بن
مروان، وهي البلاط من الرخام والمرمر،
فاشتدّت رغبة الأمير بمواصلة العمل
فزاد بعدد الرجال العاملين وضاعف
النفقات والتخصيصات لهم. وعندما ظهرت
العلامات الأخرى جاء الأمير عبد
العزيز فأشرف بنفسه على عمليات الحفر
والتنقيب.
بعد أن
غادر الأمير المكان وهو سعيدٌ مطمئن
غاية الاطمئنان على النتائج الباهرة
التي حققها فريق العمل، حدث ما لم يكن
يخطر على بال أحد، فحين ظهرت الأعمدة
الرخامية والأقواس والأطواق المعقودة
على الأبواب المغلقة، ولاحت التماثيل
وأزيح التراب عن كل ذلك، سُمعَ دويٌّ
هائلٌ مخيف، ارتجَّ من هَوْلِه كلُّ ما
يحيط بالهرم، وبلحظات قليلة انهار
النفق الطويل على مئات العمال الذين
كانوا يعملون في داخله.
وعن
هذه المأساة يتحدث أبو الحسن المسعودي
في كتابه (مروج الذهب) قائلاً:
(وكان
ممن يحفر ويعمل وينقل التراب ويبصر
ويتحرك ويأمر وينهي نحو ألف رجل فهلكوا
جميعاً، فجزع عبد العزيز وقال:
- هذا
ردمٌ عجيب الأمر، ممنوع النَيْل، نعوذ
بالله منه.
وأمر
جماعة من الناس فطرحوا ما أخرج من
التراب على من هلك من الناس، فكان
الموضع قبراً لهم).
وهكذا
كان الفشل نصيب أول بعثة للتنقيب في
الهرم في العصر الأموي. ولكن هل كانت
هذه هي المحاولة الأخيرة؟.
التاريخ يعود ويذكر لنا محاولات أخرى
جديدة.
ففي
أواخر القرن الثاني الهجري، وبالتحديد
في زمن الخليفة العباسي المأمون بن
هارون الرشيد، بوشر بالتنقيب في الهرم
الكبير، ولم يكن الهدف هذه المرة أيضاً
سوى البحث عن الكنوز الدفينة التي
خلّفها الملوك الغابرون في تلك
المقابر الهائلة.

يقول
شهاب الدين الأبشيهي في كتابه (المستطرف
في كلِّ فنّ مستظرف) في معرض حديثه عن
الأهرام:
(لما
وصل المأمون إلى مصر، أمر بنقبها،
فنُقِب أحدُها بعد جهد شديد، وعناء
طويل، فَوُجِدَ داخله مزاليقُ ومهاوي
يهول أمرها ويعسر السلوك فيها،
ووُجِدَ في أعلاه بيتٌ، وفي وسطهِ حوضٌ
من رُخَامٍ مطبق، فلما كُشِفَ غطاؤه لم
يوجد فيه إلا رمّة، بالية فعند ذاك أمر
المأمون بالكفّ عمّا سواه).
ويبدو
أن بعثة المأمون للتنقيب لم يحالفها
الحظّ فتصل إلى الكنز في الوقت المناسب
حيث سبقها اللصوص وربما بمئات السنين،
فلم يتركوا غير مومياء الفرعون وهي
داخل حوض الرخام المطبق، وحملوا معهم
كل ما حولها وجوارها من آنية ذهبية
وحُليٍ وجواهر ثمينة.
**
ويبدو
أن حلم (الكنوز الذهبية الدفينة) في
الهرم ظلّ يراود خيال الكثيرين ممن حكم
مصر منذ ذلك الوقت، فاختلط الواقع
بالخيال، وصدّق بعضهم هذا الحلم ولم
يصدّقه آخرون، ونجح بعضهم بالعثور على
بعض اللقى الذهبية الثمينة فيما فشل
الكثيرون، وفي كلِّ الأحوال كانت
تكاليف البحث والتنقيب تفوق ما يعثر
عليه المنقّبون.
وكانت
أشهر عملية تنقيب لاحقة هي محاولة
الإخشيد محمد بن طغج عام 328هـ تبعتها
بعد ذلك عشرات المحاولات باء أكثرها
بالفشل، وغنم بعضها الآخر غنائم
محدودة، نظراً لكثرة النفقات التي
تصرف على مثل هذه المحاولات.
يقول
المسعودي في كتابه (مروج الذهب):
(وقد
كان جماعة من أهل الدفائن والمطالب ومن
قد أغريَ بحفر الحفائر وطلب الكنوز
وذخائر الملوك والأمم السالفة
المستودعة بطن الأرض ببلاد مصر، وقع
إليهم كتابٌ ببعض الأقلام السالفة،
فيه وصف موضع ببلاد مصر على أذرع يسيرة
من بعض الأهرام المقدَّم ذكرها، بأن
فيها مطلباً عجيباً، فأخبروا الأخشيد
محمد بن طغج بذلك، فأذِنَ لهم في حفره،
وأباحهم استعمال الحيلة في إخراجه،
فحفروا حَفْراً عظيماً إلى أن انتهوا
إلى درج وأقباء وحجارة مُجوّفة في صخر
منقور فيه تماثيل قائمة على أرجلها من
أنواع الخشب، قد طُليت بالأطلية
المانعة من سرعة البِلى وتفرّق
الأجزاء، والصور مختلفة: منها صور شيوخ
وشبّان ونساء وأطفال أعينهم من أنواع
الجواهر كالياقوت والزمرّد والفيروزج
والزبرجد، ومنها ما وجوهها ذهب وفضة،
فكسروا بعض تلك التماثيل فوجدوا في
أجوافها رمماً بالية، وأجساماً فانية).
|