|

 
قيمة
التاريخ
بقلم
: د. عماد الدين خليل

(الحلقة
التاسعة)
أبنائي
الأعزاء ..

ها أنا ذا أواصل
حديثي إليكم حول تعاملنا مع غير
المسلمين وأنتقل معكم من عصر الرسالة
إلى عصر الراشدين (رضي الله عنهم) حيث
كانت قوات الفتح تنطلق إلى جبهات
القتال وهي تحمل أوامر صارمة من خليفة
رسول الله صلى الله عليه وسلم بألاّ
تغدرأو تحرق أو تخرّب، وبأنها ستمرّ
على رهبان قد انعزلوا في صوامعهم فلا
تروعهم أو تعتدي عليهم .. أوامر
حذّرتها من قتل المسالمين وإرهاب
النساء والشيوخ والأطفال .. حذّرتها
حتى من قطع الأشجار وإتلاف الزرع
والضرع .. إنه قتال متحضّر بمعنى
الكلمة .. قتال تضبطه قيم الدين الآتي
من عند الله، فلا ترفع السيف وهي
تلاحق السلطات الباغية قبالة كل
الذين لم يمارسوا العدوان .. لقد جاء
المسلمون لتحريرهم لا لقتلهم.
ونحن نجد في
مقابل هذا التعامل الإنساني العادل
والصارم، تجاوزاً لكل الاعتبارات
الإنسانية والأخلاقية في الممارسات
القتالية الغربية، فالغربي من أجل أن
يحقق الانتصار يبيح لنفسه كل أسلوب ..
والكثيرون منا يتذكرون ما فعتله
أمريكا باليابان بعد أن أدركت قدرة
الأخيرة واستعدادها لإدامة الحرب
العالمية الثانية لعدة سنوات أخرى
بسبب إمكاناتها القتالية والتكوين
الأرخبيلي (الجزري) لمستعمراتها. فما
كان من أمريكا إلاّ أن تضرب اثنتين من
أكبر المدن اليابانية: هيروشيما
وناغازاكي عام 1945م بقنبلتين ذرّيتين
دونما أي تمييز بين مقاتل ومسالم ...
بين رجل أو شيخ أو طفل أو امرأة ..
ودونما أي اعتبار للمظاهر الحضارية ..
وها هي بقايا أجيال المدينتين
وذراريهما يئنّون حتى اللحظة الراهنة
من آثار الضربة الموجعة تلك .. وما هو
إلا شاهد من عشرات الشواهد في هذا
السياق ليس آخرها ما فعلته أمريكا في
أفغانستان والعراق.
ومن عصر النبوة
والخلافة الراشدة أجدني بسبب ضيق
المجال مضطراً – أبنائي الأعزاء –
لتجاوز حلقات تاريخية مترعة بالوقائع
ذات الدلالة فيما نحن بصدده، والوقوف
قليلاً عند حلقة الحروب الصليبية،
ليس فقط لما تنطوي عليه من خبرات
إنسانية خصبة، بل لأنها تمثل – في
الوقت نفسه – واحدة من أكثر حلقات
الصراع بين الغرب والإسلام أهمية
وامتداداً في التاريخ.
أشياء كثيرة
واستنتاجات كثيفة يمكن أن تقال في هذا
المجال ولكني سأقف عند وقائع ثلاث
فحسب قد تكفي بمنطق المقارنة لتأكيد
البعد الإنساني السمح في التعامل مع
الآخر ... البُعد الذي يستمد أصوله من
كتاب الله وتعاليم رسوله صلى الله
عليه ، وتقاليد الأجداد والآباء،
والذي لا يقتصر على عصر دون عصر ولا
على بيئة دون أخرى..
أستودعكم
الله أبنائي الأعزاء، على أمل أن
نلتقي في حلقة قادمة لمواصلة الحديث
إن شاء الله ..
|