بإمكانكم إضافة بريدكم الإلكتروني لنرسل إليكم التحديثات والإضافات

 

الأعداد السابقة

تأليف محمد بسام ملص

ما أكثر ما دعاه حمد إلى الإسلام ! وهو يأبى . إنه على ملة أجداده وآبائه ، فلماذا يريد حمد أن يغير هذا ؟  لقد أتى حمد من مكان بعيد ، من قارة مجاورة ليعيش بين سكان هذا البلد ، والحياة هنا صعبة شاقة ، والناس يعانون من فقر ومرض وجهل  ، فكيف يترك حمد بلده ، بلد اللؤلؤ والنفط ؟ لماذا يتخلى عن الراحة والهدوء ورغد العيش ، ليأتي إلى هنا ويواجه قسوة الحياة ؟

منذ أن أتى حمد إلى هذا البلد وهو يبذل جهدا كبيرا يدعو الناس إلى الإسلام ، وقد تعرَض لأخطار كثيرة ، وتخطى كثيرا منها بصبر وجلد ! إنه لا يستطيع أن يخفي إعجابه بحمد ، فهو مخلص مثابر صابر مثل كثير من المسلمين في بلده ، ولعل حمد أكثرهم صبرا وثباتا وإخلاصا .

يذكر الرجل ليلة من ليلي الربيع وقد قضاها في بيت حمد الصغير ، لقد دعاه ليلتها ليتناول معه شرابا منعشا أعده بنفسه ، إنه يكنُ لحمد تقديرا كبيرا ، وحمد بدوره ما زال يطمع في إسلامه ، فإسلامه يعني إسلام كثيرين في هذا البلد وما جاورها من قرى ، فهو رجل له باع في التجارة وله أتباع كثيرون في هذا البلد .

قال الرجل لحمد وهو يشرب الشراب المنعش ليلتها : " هل فرغتم من حفر البئر ؟ " ، أجاب حمد : " الحمد لله ، هذه بئر ثالثة نحفرها في أقل من شهرين . أنت تعرف أنها توفر ماء للسكان ودوابهم ومزروعاتهم في هذه المنطقة " ، هز الرجل رأسه وتبسم وهو يقول في هدوء :

" شكرا لك يا حمد " ، إنه يعرف قيمة ما يقوم به حمد في هذا البلد  للسكان ، فإنه يشرف على بناء عيادة صغيرة تساعدهم عند الحاجة ، وكان قد اهتم ببناء كتَّاب صغير لتعليم الأطفال القراء والكتابة ، وكان يشرف بنفسه على تحفيظهم بعض السور من القرآن الكريم ، ولعل الرجل لا ينسى تلك الآلات المدهشة التي أحضرها لتقوم نساء البلد بصنع بعض الملابس .

لا ينسى الرجل ليلة أقدم فيها بعض الجهلاء على حرق جزء من الكتَّاب ، وكان  حمد وقتها في جولة في قرية مجاورة ، فما أن سمع بالخبر حتى أسرع بالعودة ، وشارك بنفسه في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أثاث وكتب وغيرها من محتويات الكتَاب البسيطة ، ليلتها وقف الرجل أمام حمد حزينا ، لم يكن شامتا ولا هازئا ، بل كان متألما لما جرى ، ويذكر أنه سأل حمد : " أتتركهم دون عقاب ؟ "

أجاب حمد وآثار حرق بادية على وجهه وذراعيه وثوبه : " هم جهلة ، أسأل الله أن يهديهم ويغفر لهم " .

تذَكر الرجل هذا وهو في طريقه إلى أحد التجار ، وفيما هو يحثُ خطاه ، إذ بصبي يستوقفه ويخبره بأهمية أن يعود إلى بيته في الحال ، فطفله الصغير الذي لم يتجاوز عامه الثالث يعاني من حمى شديدة مفاجئة .

عاد إلى بيته على عجل ، وبات ساعات طويلة أمام طفله يحاول معه شتى الوسائل ، إلاَ أنه لم ينجح في تخفيف حدة الحمى ، وانتابه قلق وزوجته أمامه تبكي بحرقة ، إنه يرى ولده الصغير بين يديه يتألم ولا يملك أن يدفع عنه هذا الخطر ، وقد سبق أن فقد ولدين بالحمى ، أفيخسر الثالث ؟ 

ماذا يفعل ؟ وبمن يستعين ؟ قالت له زوجته وهي تمسح دموعها : " حمد ، لا بد من حمد " ، وتردد الرجل قليلا ، غير أنه سرعان ما أدرك أهمية أن يستعين بحمد .

لم يكن يدري في لحظتها أن حمد يقف أمام بيته ! أيصدق الرجل ما يحدث ؟ كيف أتى حمد ؟ ومن أخبره بالأمر ؟ إنه يراه أمامه بأم عينيه وبيده حقيبة صغيرة ، ولم يتردد الرجل في دعوة حمد ليعالج الصغير بحكم خبرته بأمراض البلد .

أخذ الرجل يراقب ما يحدث والقلق يتربص به ، وراح يتابع ما يقوم به حمد بهمة ومهارة ، ومر وقت ظن الرجل خلاله أن عقارب  الساعة قد توقفت ، ثم إذا به يسمع حمد يقول في هدوء : " الحمد لله ، قد خفَت وطأة الحمى " ، وتأمل الرجل طفله ، إنه يستغرق في نوم بعد طول عناء ، فما كان من الرجل إلاَ أن اقترب من حمد وعانقه .

دهش حمد مما يجري ، فما عرف عن الرجل سلوكا مثل هذا ، إنه يعرفه متزناً يخفي مشاعره ولا يحاول أن يبديها ، ولكنه الآن أمام رجل أشبه ما يكون بحمل وديع ، وفوجيء حمد بالرجل ينطق بالشهادتين ، ودمعت عينا حمد ، وقال :

" الحمد لله " ، وسمع الرجل حمد وهو يقول : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لان يُهدى  بك رجل واحد خير لك من حمر النعم)) " .

( صحيح البخاري ، وحمر النعم هي الإبل الحمر وهي أنفس أموال العرب يضربون بها المثل في نفاسة الشيء )

مكتبة الأطفال

أرسل للفاتح رسالة أو مشاركة أو اقتراحاً

               جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح   ©  2007