|
- اذهب يا بني وافتح عينيك جيداً، أريدك
أن تخبرني بعد ذلك عن كل ما تراه في هذه
المدينة فأنا لا أكاد أصدق ما أسمع،
أتوجد حقاً على الأرض مدينة أفضل من (روما)
و(القسطنطينية)بهذه الكلمات أوصى
قيصر الروم رسوله الشاب قبل أن يركب
البحر ويتوجّه إلى بغداد ليسلك بعد ذلك
طرقاً مختلفة فتمتد رحلته أكثر من شهر
حتى يصل بغداد.
****

كانت القافلة الصغيرة التي وصلت (حلب) قد
أعلنت عن نفسها ومهمتها حين أخبرت رجال
المكوس بأن من بين رجالها رسولاً من
قيصر الروم. فما هي إلاّ ساعة حتى أحاط
الفرسان بالقافلة وقدّموا لها كل ما
تحتاجه في طريقها الشاق الطويل ومن تلك
الساعة لم يعد الطريق شاقاً ولا طويلاً
على رسول قيصر ومن معه، فالخدمة
والحراسة والخيام الجاهزة والفرش
الوثيرة والطعام الشهي والماء المثلج
كانت بانتظارهم في الطريق طوال الرحلة
حتى أشرفوا على تكريت وهي مدينة تبعد
مسافة يومين عن بغداد. وفي تكريت نزل
الرسول الضيف معززاً، مكرماً في أحد
القصور بانتظار رحلته الأخيرة إلى
بغداد لمقابلة الخليفة.
طالت مدة إقامته في تكريت حتى أحس باليأس
والملل، فما معنى كل هذا التأخير من
قبل رجال السلطة، فقد كان مستعداً
لإكمال رحلته إلى بغداد بعد يوم أو
يومين فقط، فلماذا هذا الإصرار على
إبقائه في تكريت كل هذه المدة؟.
ثم جاء من يخبره بأن بغداد قد أرسلت
وفداً من قصر الخليفة لمرافقته إلى
بغداد والوفد على مشارف تكريت الآن.
دهش رسول القيصر أول الأمر وأوشك أن يبدي
استياءه من هذه اللعبة التي لا معنى
لها. في تلك اللحظة ظهر المئات من
الجنود المدججين بالسلاح أمام القصر،
وأخذ كل منهم مكانه وموقعه، ثم ظهرت
الخيول المزينة بالحرير والديباج
والمطعمة بالذهب والحجارة الكريمة،
فتقدمت أمام باب القصر والرسول ينظر
إليها مأخوذاً من شرفة القصر. ما كل هذا
البذخ وهذه الأبهة؟ سأل الرسول نفسه
متعجباً، وحين عرف بعد قليل أنها له،
لترافقه إلى بغداد شعر بالزهو
والخيلاء وملأه الفخر والكبرياء، ولم
يتحدث إلى المترجم الشيخ الذي رافقه
طوال هذه الرحلة ووقف جواره الآن ينظر
إلى ما يحدث أمام قصر الضيافة في تكريت.

**
كان ذلك اليوم في بغداد يوماً زاهراً من
أيام التأريخ، فقد عرف المقتدر بالله
ما كان يقصده قيصر الروم وما كان يريد
أن يعرفه بإرساله مبعوثه هذا فتهيأ
للموقف وكأنه يريد أن يجعل رسول القيصر
يفقد عقله مما سيشاهد في بغداد خلال
رحلته القصيرة هذه. فقد أُعِدَّت لجنة
مكلفة بوضع برنامج حافل لزيارة الضيف
بحيث تتوالى عليه المفاجآت واحدة بعد
الأخرى حتى يفقد رشده فيعود إلى سيده
لينقل إليه ما رأى وما سمع وما أحسّ
دونما زيادة أو نقصان.
ومن أول خطوة خطاها الرسول في ضواحي
بغداد فتح فمه من الذهول والدهشة ولم
يغلقه إلا حين غادر عائداً إلى وطنه.
كان الطريق مرسوماً بدقة وعناية، فقد
نزل أول الأمر في القصر الذي أعدّ
لإقامته، وقد وجد فيه من الأبهة
والرياش والفخامة ما لم يستطع
استيعابه وتصديقه، وكان العشرات من
الخدم والجواري يقومون على خدمته،
وحين جاءه من يخبره بأن وفد التشريفات
جاء ليرافقه إلى مجلس الخليفة شعر
بالخوف والرهبة، فكيف يكون وفد
التشريفات هذا إذا كان لباس الخدم
والحرّاس والبوابين لا يملكه الأمراء
والقواد في روما؟ وحين سلّم عليه رجال
التشريفات وطلبوا منه التفضل أمامهم
استعاد رباطة جأشه وأخذ يسحب أنفاسه
بهدوء.

كان الموكب قد تحرّك ماشياً من بيت
الضيافة في الشماسية متجهاً جنوباً
حيث قصور الخليفة المقتدر بالله، وكان
الرسول –كما وعد مليكه يحفظ في خياله
كل ما يراه- يفتح عينيه على سعتهما
تجوسان الطرقات والبنايات الكبيرة
والقصور وتنظران إلى الناس والفرسان
والمحلات والاحتفال في أوج إقامته.
يقول الخطيب البغدادي عن
هذا الحدث في (تأريخ بغداد) ما يلي:
(ثم صُفَّ العسكر من دار صاعد إلى دار
الخلافة، وكان عدد الجيش مائة وستين
ألف فارس وراجل).
تصوّر مئة وستين ألف فارس وراجل في طريق لا
يزيد طوله على خمسة كيلو مترات لقد
أراد الخليفة بالتأكيد أن يستعرض
أمامه جانباً من قوّته وجبروته فجعله
يسير ماشياً بين الفرسان المدجّجين
بالسلاح المزينين بأجمل الزينات هم
وجيادهم. ولا بد أن الخليفة أراد بذلك
أن يريه أهم ما تمتاز به المملكة، (القوة
والغنى).
سار إذن موكب رسول القيصر، وفي الطريق
نُصبت خيام من الحرير للاستراحة وكان
يقدم لهم الشراب الحلو والماء المثلج
والفاكهة الشهية. لقد طال الدرب حقاً
ولكن الوقت كان يمضي من دون أن يشعر به
أحد، فالأطفال والنساء والشيوخ جميعاً
تجمعوا منذ الصباح في ساحة الاحتفالات
والمحلات مزّينة بالورود وورق الآس
والزينة والبيوت جديدة مدهونة كأنها
قد تمّ بناؤها الآن. لقد تجمّع عشرات
الآلاف من الناس على السطوح يلوّحون
للضيف وهو يسير على بسط الحرير والسجاد
مأخوذاً مما يرى، فاغراً فمه مما يحدث
أمامه، ثم فجأة دخل الموكب في نفق تحت
الأرض. ظن الرسول أول الأمر أنهم دخلوا
أحد القصور
ولكن المسافة طالت والدرب الذي هو فيه
ما زال يصطف الفرسان فيه على الجانبين،
وحين سأل الشيخ المترجم الذي جواره
وسأل هذا بدوره رئيس التشريفات (أبو
عمر عدي بن أحمد) قائد جيوش الدولة على
الحدود الشامية، أخبره أنهم ما زالوا
بعيدين عن القصر، وما ذلك إلا طريق
سريّ خاص برجال الدولة.
رفع الرسول رأسه فهاله عدد الثريات
والمصابيح والقناديل التي صُفت على
السقف وعلى جوانب النفق فأحالت ظلامه
إلى نهار. وكان الموكب قد وصل إلى بابٍ
عالية مشرعة يقف على جوانبها عدد من
الحراس بهيئات وأزياء مختلفة تبدو
اكثر ترفاً وهيبة من أزياء الفرسان
فتأكد الرسول من أنهم اقتربوا من مجلس
الخليفة وأن هذا القصر الفخم، وهذه
الأبهة دليل على ذلك.

اضطرب الحراس واصطف بعضهم قرب بعض
للتحية وارتفعت أصوات غير واضحة هنا
وهناك. وفي تلك اللحظة وجد رسول القيصر
نفسه –ومعه لجنة التشريفات- في قاعة
مزّينة بالنقوش الجميلة والسجّاد
الفاخر والفرش الوثيرة والثريات
المليئة بالشموع، ووجد الخليفة في صدر
القاعة يجلس على كرسي العرش وحوله بعض
رجال حاشيته، فركع مبعوث القيصر مع
مترجمه على ركبهم كعادة الرومان في
تحية الملوك، ولكن صوتاً من أحد رجال
التشريفات همس في أذن الرسول: (لا تركع..
هذا ليس أمير المؤمنين).
في اللحظة التي سمع بها المبعوث تلك
العبارة وقف وهو ذاهل، فتقدم إليه
الحاجب الذي ظنه الخليفة ورّحب به
ضيفاً عزيزاً من ضيوف أمير المؤمنين
المقتدر بالله.
وبعد انتهاء مراسيم هذا الاستقبال اصطحب
المرافق عدي بن أحمد رسول القيصر، وفي
أروقة مزينة لا يرقى إلى وصفها حتى
الخيال ساروا على مهل حيث انفتحت
أمامهم باب عالية مذهبة فأطل الجميع
على قاعة فارهة، فاخرة الرياش تبدو
بحجم قاعة الحاجب الأولى مرتين وفي صدر
هذه القاعة جلس الخليفة المقتدر بالله
بكل بهائه وأبهته، على عرشٍ ظاهر الترف
والفخامة، فركع الرجلان من دون أن
يسألا المرافق، أكان الذي أمامهما
أمير المؤمنين أم لا. فالأمر واضح كل
الوضوح، وكل الذي أمامهما هو كثير،
وكثير جداً حتى على الملوك.
ولكن صوتاً هامساً وصل إلى آذانهم بهدوء:
- لا تركعا، هذا ليس أمير المؤمنين.
ومرة أخرى يقف الرجل ويقدم نفسه إلى
مبعوث القيصر قائلاً:
- أهلاً بكما في ضيافة أمير المؤمنين
المقتدر بالله، أنا خادمه ووزيره أبو
الحسن علي بن محمد.

في تلك اللحظة لو وخزت الروميين بسكين
فلا أظن أن دماً سيخرج منهما، لقد
أصفرّا وتجمدّا من الذهول والدهشة وما
عادا يفقهان شيئاً.
وكما يجري الآن مع الوفود الكبيرة
والضيوف قبل التهيؤ للقاء رئيس الدولة
تبدأ الجولة الحرة لمشاهدة المعالم
الرئيسية في البلد. وكانت المعالم
الرئيسية في بغداد انذاك هي قصور
الخليفة التي تضم الدواوين ومجالس
الوزراء والحجاب والقوّاد وموظفي
الدولة الكبار، وكان عدد القصور التي
تحيط ببلاط أمير المؤمنين ثلاثة
وعشرين قصراً، زيّنت في ذلك اليوم
وفرشت وأعيد تأثيثها وفتح بعضها على
بعض لكي يدخلها رسول القيصر في جولة
واحدة متصلة.
ولنقرأ ما كتبه الخطيب
البغدادي في تأريخ بغداد عن ذلك قائلاً:
(ولما دخل الرسول إلى دار الشجرة ورآها
كثر تعجبه منها، وكانت شجرة من الفضة
وزنها خمسمائة ألف درهم عليها أطيار
مصنوعة من الفضة تصفر بحركات قد جعلت
لها، فكان تعجب الرسول من ذلك أكثر من
تعجبه من جميع ما شاهده).
ويصف الخطيب البغدادي
جانباً آخر من جولة الضيف قائلاً:
(وأدخل رسل صاحب الروم من دهليز باب
العامة الأعظم إلى الدار المعروفة
بخان الخيل، وهي دار أكثرها أروقة
بأساطين رخام، وكان فيها من الجانب
الأيمن خمسمائة فرس عليها الجلال
الديباج بالبراقع الطوال وكل فرس في
يدي شاكري بالبزّة الجميلة.
ثم أُدخلوا من هذه الدار إلى الممرات
والدهاليز المتصلة بـ(حير الوحش) وهو
يسمى الآن بـ(حديقة الحيوانات)، وكان
في هذه الدار من أصناف الوحوش التي
أخرجت إليها من الحير قطعان تقرب من
الناس وتتشممهم وتأكل من أيديهم، ثم
أخرجوا إلى دار فيها أربعة فيلة مزّينة
بالديباج والوشي، وعلى كل فيل ثمانية
نفر من السند والزراقين بالنار، فهال
الرسول أمرها، ثم أُخرجوا إلى دار فيها
مئة سبع، خمسون يمنة وخمسون يسرة، كل
سبع منها في يد سبّاع وفي رؤوسها
وأعناقها السلاسل الحديد.
وأغرب ما رآه رسول القيصر هو معركة
الفرسان في دار الشجرة، وهي معركة
وهمية صُنعت بدقة عجيبة توحي للمشاهد
بأن ما يحدث أمامه معركة حقيقية بين فرسان
مدججين بالسلاح، فقد صنع خمسة عشر
فارساً على جيادهم بالحجم الطبيعي على
أرضية متحركة، تتحرك جميعاً بشكل
ميكانيكي فيقترب الفارس من الآخر حتى
كأنه يوشك أن يفتك به).

ويصوّر لنا الخطيب البغدادي
ذلك بوضوح بعد أن يصف لنا الشجرة
العجيبة قائلاً:
(ثم أُخرجوا من هذه الدار إلى دار
الشجرة، فيها شجرة في وسط بركة كبيرة
مدورّة فيها ماء صافٍ وللشجرة ثمانية
عشر غصناً، لكل غصن منها شاخات كثيرة
عليها الطيور والعصافير من كل نوع
مذهبة ومفضضة، وأكثر قضبان الشجرة فضة
وبعضها مذهّب، وهي تتمايل في أوقات،
ولها ورق مختلف الألون يتحرك كما تحرك
الريح ورق الشجر، وكل من هذه الطيور
يصفر ويهدر).
ثم يذكر: (وفي جانب الدار تماثيل خمسة عشر
فارساً على خمسة عشر فرساً قد ألبسوا
الديباج وغيره وفي أيديهم مطارد على
رماح يدورون على خط واحد في الناورد
خبباً وتقريباً فيظن أن كل واحد منهم
إلى صاحبه قاصد).
وبعد مشاهدة القصور وحديقة الحيوانات.
وما في كل ذلك من عجائب وغرائب، وما
تبينه وتصوّره من رقي حضاري وتقدم علمي
في ذلك الوقت، ختم الضيف جولته بمشاهدة
(معرض السلاح) وكأن الخليفة أراد بذلك
أن يريه قوة الدولة ومنعتها كما تفعل
الدول الآن بإقامة عروض عسكرية كل عام.
وبعد هذه الساعات الطوال من المشاهدة
المثيرة المنوعة كانت الجولة الحرّة
قد انتهت، فجلس مبعوث القيصر والمترجم
الرومي ومرافقهما أبو عمر عدي بن أحمد
قائد جيوش الدولة على الحدود الشامية
بانتظار الإذن لهم بالدخول على أمير
المؤمنين.
كان الموكب قد وصل إلى باب عالية مشرعة،
وحين دخلا قاعة العرش كانا مجرد دميتين
ذاهلتين لا إحساس فيهما، وانكبّا هذه
المرة على الأرض غير قادرين على
القيام، ولم يستعيدا أنفاسهما
المتقطعة إلاً بعد أن أسعفهما الخدم
بالشراب الحلو والماء المثلج.
فتح الرسول العلبة المذهّبة، وأخرج منها
رسالة القيصر إلى الخليفة فتسلّمها
رئيس الثغور الشامية وعرضها على أمير
المؤمنين الذي ظلّ جالساً بكبرياء
الملوك يحيط به خمسة من أولاده صامتين،
تزين وجوههم سيماء العز والرفعة
والمُلك.

وبعد كلمات ترحيبية قليلة سأله الخليفة
عن رحلته وعن راحته، وبنفس الإيجاز
سأله عن صحة القيصر، ولم تدُر بعد ذلك
إلاّ أحاديث دبلوماسية متقطعة لم يذكر
المؤرخون ربما لأن أحداً من المجودين
لم يكن مخولاً بالتصريح عمّا يدور بين
أمير المؤمنين المقتدر بالله
وبين ضيوفه السياسيين. وربما بقي
ما دار في ذلك الاجتماع محفوظاً في
وثائق الدول الرسمية كعادة الدولة
هذه الأيام.
|