|
ما هي العدّة اللازمة للصمود في هذا
الصراع؟
ما هي التعبئة المعنوية والروحيّة
المطلوبة؟!
كيف نحافظ على الحسّ الوطني الصادق؟
كيف نحيي الأمل، ونثق بوعد الله في تحقيق
النصر؟!
كيف نهزم أولاً روح الهزيمة، ونحطِّم
الرهبة والخوف من اليهود ومن تعاظم
باطلهم؟
ما هودور الإيمان؟ وكيف يعطي عطاءه
العظيم في ميدان النفس وميدان
المعركة؟
هذه الأسئلة الهامّة تحاول هذه القصص
الوصول إليها وإلى تأصيل إجابات واضحة
عليها...
والله المستعان...
* * *
"عز الدين في مواجهة النمرود"
كانت إسراء تحبُّ زيارة عمِّها عزّ
الدّين في السِّجن... تفرح كثيراً عندما
تراهُ وتتحدَّثُ معه... كانَ حديثه معها
يملأُ نفسها بهجةً وسروراً... وعلى
الرغم من تعب السفر، ومشقة الانتظار،
والتفتيش على باب السِّجن، إلا أَنّها
كانت حريصة على مرافقة جدّتها...
في يوم الزيارة كانت تسبق جدّتها في
الاستيقاظ من النوم... تنام وتحلم
بعمِّها، ترى قصصه الجميلة تتسلّل إلى
أحلامها... تشعر بالسعادةِ والابتهاج
فتقوم من نومها وهي نشيطة الروح، خفيفة
الظل... تعاون جدّتها في تحضير أغراض
الزيارة... تحمل هديّةً تشتريها له من
مصروفها الخاص... تصلي الصبح مع جدّتها
ثُّم تأخذ بيدها وتخرج معها إلى شارع
صلاح الدِّين في القدس... ظلام الليل
ينسحب رويداً رويداً... وضياء النهار
ينتشر ببطء... يتجمّع أهالي الأسرى
ويأتي الباص كي يسافر بهم إلى سجن
عسقلان... تركب إسراء بجوار جدّتها
وتختار المقعد المجاور للنافذة...
يتحرّك الباص وتتحرّك الصور والمناظر
الجميلة التي تحبّها... تستمتع بالنظر
إلى الحقول والبساتين الجميلة...
أشجار البرتقال والسهول الخضراء تملأ
جنبات الطريق... إسراء تحبُّ فلسطين،
تحبُّ الوطن وتحبُّ الخالق... تحبُّ
الله الذي أبدع هذه الأرض الطيبة
وجعلها لعباده الصالحين... كانت جدّتها
تتحسّر وتتألم وتحدّثها عن اليهود
الذين سرقوا واغتصبوا أرضنا... طردوا
الشعب الفلسطيني منها... خرَّبوا
ديارنا، مدننا وقرانا... القدس، حيفا،
عكا، يافا، اللد، الرملة، وآلاف القرى...
دمّروها وطردوا أهلها... طردونا وسكنوا
مكاننا...
قصّ عليها عمّها الكثير من القصص... ها هم
قد سجنوه أكثر من عشرين سنة لأنه قاوم
ظلمهم... كانت تنظر إلى الأرض الجميلة
التي سرقوها وتفكّر في عمّها الذي
سرقوه منها... كانوا يسمحون لها برؤية
عمّها نصف ساعة من وراء الشبك الحديدي
الملعون... ثم يسرقونه منها أسبوعين
كاملين... نصف ساعة لي ولهم خمسة عشر
يوماً × 24 ساعة: كم تساوي؟

لقد أخذت (إسراء) جداول الضرب كاملة في
الصف الرابع والخامس... كم تساوي 15 × 24؟
هذا سؤالها اليوم لعمّها في هذه
الزيارة؟ حَسَبتْها وخبّأت الجواب...
كتبته على ورقة ووضعتها في جيبها...
أرادت أن تختبر عمّها في الضرب؟ وقرّرت
أن تسأله عن السبب الذي جعل اليهود
يسرقونه منها هذه السنين الطويلة...
لماذا حبسوه؟ شعرت بأنها قد كبرت ومن
حقّها أن تعرف بالتفصيل...
أين ذهبت عيناه؟
من الذي حرمه من رؤية حبيبته؟
من الذي حرمه من رؤية إشراقة وجهي
وابتسامتي الجميلة؟
فستاني الأحمر وعقدي الذهبي؟
إسوارتي الخضراء وبقلتي البنفسجية؟
كان في رأسها أسئلة كثيرة... وتحب أن تسمع
الإجابات من عمّها... وعند كلّ سؤال
يروي لها عمّها قصة جميلة...
فتًّش اليهود جدّتها، وفتشوها بدقة...
خلعوا من رجلها حذاءها الصغير... وضعوا
الآلة الرنّانة على كل جسمها، رنّت على
بقلتها.. طلبوا منها خلعها عن رأسها
الصغير... نظرت إليهم بغضب شديد... كانوا
كأنهم ذئاب مفترسة عيونهم تقدح بالشر...
الحقد يملأ قلوبهم حتى على الأطفال...
كم طفلاً قتلوا وجرحوا في الانتفاضة
المباركة؟ إنهم قتلة الأنبياء...
بعد أن انتهت (إسراء) من التفتيش، ركضت
بسرعة كالغزالة الرشيقة... دخلت إلى
غرفة الزيارة في مقدمة الزائرين... نظرت
إلى الشبك فوجدت الأسرى خلفه ينتظرون
أهلهم وأحبابهم... أخذت تجري وتبحث عن
عمّها... رأت الأسرى يبتسمون لها...
يمدّون أصابعهم من فتحات الشبك...
تسلِّم عليهم بسرعة وتسرع إلى عمّها...
وأخيراً وجدت عمّها بانتظارها... رأته
يجلس بصمت... سمع صوتها ولم يرها... نادى
عليها:
- تعالي يا إسراء... أنا هنا...
هجمت على أصابعه التي أخرجها لها من
فتحات الشبك... قبّلتها...

- كيف حالك يا حبيبتي إسراء؟... أخبريني عن
كلّ شيء... المدرسة، أخبار الأهل، العم
والعمّات... الناس والجيران...
قالت إسراء:
- سأحدثك ولكن أجب بسرعة: 15×24 كم تساوي؟
فكّر قليلاً وقال: 360...
- ممتاز... أنت يا عمّي مثلي ممتاز في
الرياضيات...
- تريدين اختباري يا إسراء؟
- أنا يا عمّي فكّرت في وقت الزيارة...
يسرقونك منا خمسة عشر يوماً ويعطوننا
للجلوس معك نصف ساعة... يعني نصف ساعة
مقابل 360... أليس في هذا ظلمٌ كبير
وإجرام عظيم؟ قل لي يا عمّي: لماذا
يسرقونك منا ويحبسونك خلف هذه الجدران
العالية؟!
- هذه يا إسراء قصة طويلة.
قاطعته بسرعة:
- هل أنا صغيرة يا عمّي؟ ها قد وصلت جدتي...
سلّمت الجدّة على أصابع ولدها وجلست
تلهث وتلتقط أنفاسها...
قالت إسراء:
- أريد القصة يا عمّي مهما كانت طويلة،
أنا لست صغيرة... أريد أن أعرف كيف ذهبت
عيناك؟ من الذي سرقهما؟
قال عمّها موجّهاً كلامه لجدّتها:
- ألم تحدثيها؟..
قالت الجدّة:
- حدثتها ولكن تريد المزيد منك؟
اعتدل عمّها في وقفته وقال:
- طيِّب اسمعي يا حبيبتي...
تعلمين أن
اليهود قد احتلوا أرض فلسطين سنة 1948
الأرض الطيبة المقدسة اغتصبها اليهود...
طردونا من يافا وجئنا نسكن القدس،
قتلوا الأحرار، قام الفدائيون يحاربون
اليهود ويردّون على عدوانهم... وحصل
لعمّك الشرف بأن يكون واحداً منهم..
قالت جدتها:
- يا ابني أريد أن أتحدث معك... أبوك يسلِّم
عليك... إخوتك وأخواتك مشتاقون إليك...
أحضرت لك زيتاً وزعتراً..
صبرت إسراء على جدتها قليلاً من الوقت كي
تحادث ابنها ثم قالت:
جاء دوري يا عمّي... أكمل، بعد أن أصبحت
فدائياً ماذا حصل؟
- اشتركتُ في أعمال مقاومة الاحتلال... كنا
نطلق النار على دورياتهم التي تعتقل
الناس وتعذّبهم... إحدى الدوريات كان
الضابط المسئول عنها يسمّى "شمعون"...
كان يلاحق العمال في الصباح، يوقفهم
ويصفعهم على وجوههم... وكان جنوده
يضربون بهراواتهم العمّال الذين
يبحثون عن أرزاق أولادهم، وفي الظهيرة
كانوا يلاحقون طُلاب المدارس... كان "شمعون"
كالنمرود...
قالت إسراء:
- عمّي: هذا النمرود أخذنا عنه في المدرسة...
ألقى سيدنا إبراهيم عليه السلام في
النار...
تابع عمّها:
- نعم... وكان " شمعون" يلقي بالعمال
والطلاب في معتقل "المسكوبية" حيث
زنازين التحقيق والعذاب... المهم قمت
أنا ومجموعة من المجاهدين برصد
تحرّكات هذه الدورية... عرفنا الطريق
التي تسلكها... وفي صباح أحد الأيام...
صاح الشرطة بانتهاء الزيارة... انتهت حصة
(إسراء) في عمّها... هذه النصف ساعة التي
تنتهي بسرعة... ألحّت (إسراء) على عمّها:
- ماذا حدث؟... هل قتلتموه؟... كيف؟ أطلقتم
عليه الرصاص؟...
أجاب عمّها:
- نعم قتلناه... أمّا كيف؟ فسأقصّ عليك
القصة كاملة في الزيارة القادمة إن شاء
الله...
خذي هذه الهدايا معك أخرجتها لك من السجن...
سلّمي على الجميع... مع السلامة.
يتبع
|