|
هي
تحدّثني عن السابقين وأنت تحدثني عن
اللاحقين… ولكن أريد قصة الزيارة
السابقة… قتلتم "شمعون"؟... كيف
كان ذلك؟!
- نعم، نعم… قلت لك إنه أصبح كابوساً
مرعباً يحسب كلّ الناس حسابه… أصبحوا
يتعوّذون منه كتعوّذهم من الشيطان
الرجيم… وقد كان "شمعون" يستمتع
بعذاب الناس… عندما يرى الدموع ويسمع
صرخات المعذَّبين يشعر بالسعادة
والفرح… لا يهنأ له بال إلا بتعذيب
الناس… وكأنه لعنة تنصَبُّ على رؤوس
الناس صباح مساء… هكذا هوالاحتلال يا
إسراء …
قالت إسراء:
- وهكذا أخذنا في المدرسة عن فرعون، أنه
علا في الأرض واستضعف بني إسرائيل…
ذبّح أبناءهم وأبقى نساءهم أحياء
للخدمة… واليوم بنوإسرائيل يقومون
بدور فرعون!
ردَّ العم وقال:
- وأسوأ من فرعون… هاهم يذبّحون الناس،
يعتقلونهم ويصادرون أراضيهم…
سألت إسراء:
- ولكن ماذا حصل مع شمعون؟!
أجاب بهدوء:
- عندما قرّرتُ قتله، فكّرت بالطريقة
المناسبة… لا أريد أن يعرفني الناس
حتى أستمّر في جهادي بالسر… لذلك
فكّرت بطريقة أتنكّر فيها… وفي وقت لا
تظهر فيه ملامح الوجه بوضوح… قلت ألبس
ملابس فلاح وأحمل فرشاً على رأسي…
أتظاهر بأني بائع كعك وأخرج للبيع في
الصباح الباكر قبل شروق الشمس… كان
الوقت بين عتمة الليل وضياء النهار…
ضباب الصباح ينتشر في كلّ مكان…
السماء مشبّعة بغيوم الشتاء التي تنذر
بالمطر… وقفت أنادي… كعك بسمسم… كعك
بسمسم…

ضحكتْ إسراء… وتبسَّمَتْ جدَّتُها وهي
تصغي لقصة ابنها بشغف رغم معرفتها
بالقصة منذ عشرين عاماً أي قبل أن
يُسجن عزّ الدين…
قالت إسراء:
- وهل ربحتَ في بيع الكعك؟
تبسم وقال:
- نعم… ربحتُ رأس النمرود… وقفتُ عند باب
السّاهرة. هذا الباب الذي يقع شرق
القدس ويفصل بين القدس القديمة
والحديثة… بين الأزقة الضيّقة والسوق
العتيق وبين شارع سليمان وشارع صلاح
الدين… هناك على بوابة القدس وقفتُ
أنتظر…
هتفتْ إسراء:
- كعك بسمسم… كعك بسمسم…
ثمّ تابع:

- وجاء الزبون… وجاءت الدورية تتبختر
وعلى رأسها شمعون يلوّح بعصاه الغليظة
ويرفع أنفه في السماء… سحبتُ مسدسي من
جيب المعطف الكبير ومن تحت فرش الكعك
صوَّبت على قلبه… سدَّدتُ نظراتي
بدّقة… صحتُ مع إطلاق الرصاصة… الله
أكبر… انكفأ على وجهه يسبح في دمائه…

ألقيتُ بفرش الكعك ودخلتُ من باب
الساهرة في أزقّة القدس القديمة… كنت
أعرفها جيداً فأنا ابن القدس… غبت في
أعماقها… خلعت ملابس التنكّر وذهبت
إلى البيت… حملت حقيبة المدرسة حيث
كنت حينها في التوجيهي… دخلت إلى
المدرسة وتأخّرت عن الحصة الأولى…
فسألني المعلّم:
- لماذا تأخّرت؟
فقلت له:
- معذرة، تأخرت يا أستاذ في النوم …
صاح الشرطي
بأنكر الأصوات… "انتهت الزيارة"..
قالت إسراء على عجل:
- لم تحدّثني يا عمّي عن حسن سلامة…
خسارة انتهى الوقت… عندي فكرة ما
رأيك أن تكتبها لي برسالة؟
- فكرة رائعة… ما رأيك أن أطلب من حسن
سلامة نفسه أن يكتب لك قصته… قلت لك
إنه عندي…
- سأنتظر هذه الرسالة العظيمة…
- ولكن من الأفضل أن تكتبي له رسالة
وتطلبي أنتِ منه وهويردُّ عليك…
سأحدثه عنك… وسأشجعهُ كي يقصَّ عليك
مغامراته بالتفصيل… ما رأيك؟
- عظيم رائع… يا أَحسن عمّ في الدنيا…
ثم ودّعته، أخذت بيد جدَّتها وخرجت…
كانت في طريق العودة وهي في الحافلة
تفكّر… "ماذا سأكتب للبطل المجاهد
حسن سلامة؟!!"..
وإلى
قصة جديدة في العدد القادم بإذن الله
|