|
إلى أقوال رسل فريدريك، وأعلن في العالم
حرمان الإمبراطور. فقد كان هذا
الإمبراطور معجباً بالمسلمين متخذاً
منهم مثلاً في كل شيء، مما جعل البابا
يحمل له في قلبه حقداً وكرهاً دفينين.
وبعد سبعة أشهر من ذلك الوقت، أبحر
فريدريك إلى فلسطين عام 1228م، وهو لا
يزال مطروداً من حظيرة الدين، وبعد أن
وصلت سفنه إلى سواحل عكا بوقت قصير كان
أتباع البابا قد بدؤوا يشوهون سمعة
الإمبراطور الطريد في صفوف المسيحيين
حتى لم يجد من يناصره ويطيع أمره.
ومع أنه جاء من وراء البحار حاملاً معه
عشرات الآلاف من المقاتلين لغزو بلاد
المسلمين وتدنيس مقدساتهم إلا أن قائد
الجيوش الإسلامية (الكامل ناصر الدين
أبو المعالي) أكبر في الإمبرطور هذا
التقدير الخاص للمسلمين وعلوم
المسلمين، واعترافه بالحضارة
الإسلامية وضرورة الاقتباس منها دون
خوف أو تردد. فعقد معه صلحاً على أن
يدخل بيت المقدس من دون أن يريق قطرة
واحدة من الدماء، وفعلاً التزم الكامل
ببنود هذا الاتفاق مع مقدرته الكاملة
على تشتيت جيوش الإمبراطور والقضاء
عليه قضاءً تاماً.
وقد يتساءل البعض: لماذا تركه يدخل بيت
المقدس ما دام قادراً على صدّه وردعه؟.
لقد وصلت أخبار الإمبراطور فريدريك إلى
مسامع القائد الإسلامي، وعرف كل الذي
فعله البابا غريغوري بطرده من حظيرة
الدين وتحريم طاعته والتعاون معه،
فأراد الكامل ألا يخذله بعد أن خذله
الجميع. وفي اللحظة التي أصبحت فيها
رقبة الإمبراطور فريدريك تحت سيف
القائد المسلم كانت شيم الفرسان
وأخلاق الرجولة والنُّبْل هي التي
تحسم الموقف.

فقد أرسل أحد رجال الدين المسيحيين
رسالة سرية إلى الكامل ناصر الدين أبي
المعالي يعلمه باعتزام فريدريك زيارة
المكان الذي يقال أن السيد المسيح قد
عُمِّد فيه في نهر الأردن، ويشير عليه
بمساعدته على أسر الإمبراطور وحمله
معهم وتدمير قوته وتشتيت جيوشه.
وبدلاً من أن يغتنم القائد الإسلامي
الفرصة ويأسر عدوه ويدمر آلته الحربية
ويطرد جنوده من بيت المقدس، كما يفعل
عادة كل عدو بعدوه في كل الأصقاع
والعصور، أرسل تلك الرسالة إلى
فريدريك نفسه محذراً من خيانة بعض
أعوانه له ومعترفاً له بكل شيء.
لقد اختار الموقف النبيل الذي يذكره
التأريخ بإجلال، وأدار ظهره للطعن من
الخلف والخيانة والضعة والمواقف
المشينة التي لا يغفرها التاريخ.
|