|
ولكي لا يأخذنا الخيال بعيداً فإن عدد
الكتب المعروفة المؤلفة في فن الطبخ في
العصرالعباسي قد بلغت عشرين كتاباً
منها كتب ألفها أطباء لهم مكانتهم
العلمية البارزة ككتابي (الطبيخ) و(أطعمة
المرضى) للرازي، وكتاب (المغري في
الطبيخ) لموسى بن عازر.
ومن الكتب التي كانت تدخل بيوت الأغنياء
وتستقر في رفوف المطابخ الأنيقة
فتقلبها الجواري الحسان كل يوم من أجل
إعداد وجبات شهية جديدة لسيد الدار
وضيوفه هو كتاب (الوصلة إلى الحبيب في
وصف الطيبات والطيب) وهذا الكتاب من
تأليف كمال الدين بن العديم في حلب عام
588هـ.
وهو ليس كتاباً من كتب فنون الطبخ
العادية التي تعرض في المكتبات هذه
الأيام بل هو موسوعة كاملة قسّمها
مؤلفها إلى عشرة أبواب أولها باب (الطيب)
تحدّث فيه عن طرق إعداده وتركيبه
بأنواعه المحببة والجديدة والتي تحول
جو البيت إلى بستان صغير يعبق بروائح
الزهور والعطور والأبخرة الزكية. ثم
باب (الأشربة) فتحدث عن طرق صناعة عشرين
نوعاً من الشراب والعصير الطيّب، التي
لا أظن أن مشروباتنا المعلّبة هذه
الأيام تتفوق عليها من حيث الطعم والري
والفائدة.
وخصص باباً واسعاً لصناعة الحلويات فذكر
طرق إعداد أكثر من خمسة عشر نوعاً،
منها ما هو معروف باسمه حتى الآن
كالكنافة والقطايف والكعك والفستقية،
و(الخاتونية)
والمأمونية وهريسة الفستق والمخنوقة
و(كل واشكر) واللوزنيج وغير ذلك من
أصناف الحلويات التي فصّل ابن العديم
طرق إعدادها وتهيئتها على المائدة.

ويبدو أن للدجاج عند ابن العديم منزلة
خاصة فقد ذكر ثماني طبخات مختلفة لإعداد
الدجاج، بل أعدّ منه أنواعاً من الحلوى
والمربّيات. فهو المشوي والمسمّن
والمحشي وفي كل هذه الحالات تضاف إليه
أو تطهى معه مواد أخرى كالخل والثوم
والنعناع ودهن السيرج واللوز والفستق
والبندق، ولهذا فكل طبخة لها اسمها
الخاص فهي بندقية ولوزية وخشخاشية
وخوخية وجرجانية.
وحتى لا نطيل في هذا الموضوع المثير
للشهية فإن المؤلف كان يتحدث في (300صفحة)
عن طرق إعداد مئات الأطباق الطيبة التي
كانت شائعة في قصور الأمراء
والأغنياء، والتي لا تستطيع الآن أشهر
المطاعم والفنادق الكبيرة أن تهيء
بعضاً من أصنافها لزبائنها. فهل احتوت
لائحة لأي فندق أ و مطعم على عشرين
نوعاً مختلفاً من المشروبات؟.
والمدهش في هذا الكتاب الذي ظهر في
المكتبات لأول مرّة قبل (800عام)
اهتمام مؤلفه الكبير في ترف زبائنه
ونظافتهم، فهو لم يتركهم يأكلون هذه
الأصناف المنوّعة والدسمة من الأطعمة
والحلويات والمشروبات من دون أن يطيب
أنفاسهم، فقد خصص البابين التاسع
والعاشر لصناعة الصابون الطيب النقي،
وماء الورد الزكي الرائحة لتطييب
رائحة الفم، فما إن يقوم الجميع عن
المائدة حتى تدور عليهم القناني
الصغيرة الأنيقة المليئة بماء الورد
المطيب بالزعفران والكافور والقرنفل
والنارنج والياسمين وغير ذلك من
العطور التي تبعث على الاسترخاء
والنعاس.
|