|
ومن
القرن الثالث الهجري حيث اتسعت
الفتوحات الإسلامية وانتشر التجار في
بلاد الهند والصين والجزر الاستوائية
المنتشرة خلف شبه القارة الهندية حتى
نهاية القرن التاسع، لم يكن ثمة أحد من
الغرب المسيحي قد وصل بنفسه إلى تلك
البقاع.
وقد
وصف ابن بطوطة إزدحام الموانئ في بلاد
العرب والهند والصين بالآف السفن
العربية، وركب بعض هذه السفن الكبيرة
الآمنة التي تشبه القصور العائمة في
البحر لسعتها ووفرة حمولتها وراحة
المسافرين فيها.
ثم
ظهر الخطر البرتغالي فجأة عام 1498م. ولو
لم يكن أحمد بن ماجد، البحّار العربي
الكبير الملقب بـ(أسد البحر) قد فعل ما
فعل لكان البرتغاليون قد عادوا إلى
بلادهم خائبين، مدحورين، قد عاقبهم
البحر عقاباً شديداً.
فقد
كانت سفنهم تدور حول الساحل الإفريقي
بأمان ثم تظل قريبة من الشواطئ العربية
فلا تستطيع عبور منطقة رأس الرجاء
الصالح إذ يجابهها مضيق (أحد جانبيه
جبل والجانب الثاني بحر الظلمات –كما
يذكر ذلك قطب الدين النهروالي في القرن
السادس عشر الميلادي- في مكان كثير
الأمواج، لا تستقر به سفئنهم وتنكسر.
ولا ينجو منهم أحد، واستمروا على ذلك
مدة وهم يهلكون في ذلك المكان ولا يخلص
من طائفتهم أحد إلى بحر الهند).
ثم
تشاء الأقدار أن يمرّ (فاسكو دي جاما)
بـ(مالندي) الميناء الواقع على الساحل
الشرقي من أفريقيا شمال مدغشقر، حيث
كان البحّار العربي أحمد بن ماجد مع
بعض رفاقه في تلك المدينة.
ولندع
المؤرخ البرتغالي (كستانهيدا) يصف
بنفسه إرشاد ابن ماجد (دي جاما) إلى
طريق الهند:
(وصل
فاسكو دي جاما إلى مالندي في 15 آذار 1498،
وأرسى في فرضتها، فصعد إلى سفينته
مسلمون منهم مسلم اسمه أحمد بن ماجد
أحب أن ينعم برفقة (دي جاما) وبحّارته
ورضي أن يذهب معهم فيدلّهم على طريق
الهند.

وكان
دي جاما قد دهش لسعة علم الملاّح
المسلم عندما أراه خريطة الساحل
الهندي كله وعليها خطوط الطول والعرض
بتفصيل. ثم دعا دي جاما الملاح المسلم
ليشاهد الاسطرلاب الكبير الذي كان
يحمله على سفينته وآلات فلكية أخرى)
فلم يعجب المسلم لما رأى وانبأ دي جاما
أن لملاحي العرب في البحر الأحمر آلات
متقنة مصنوعة على غير مثال ما بيد
البرتغال. ثم اطلعه على آلة مؤلفة من
ثلاث لوحات، فلما عرف دي جاما قيمة هذا
الكنز الذي ظفر به أحبّ الاحتفاظ بهذا
المعلم المسلم. واقلع متوجهاً إلى
الهند في 24 نيسان فجاز الخليج الكبير
وطوله (600فرسخ) في 22 يوماً دون أن يلقى
في طريقه عقبة أو مشقّة).
وهكذا
ظل أسد البحر يقدّم خبرته وخبرة أجداده
الطويلة في علم البحار إلى (فاسكو دي
جاما)، فقد أمسك هذا به ولازمه في
رحلاته ملازمة الظل، ولم يكن رسم طريق
الهند والخلاص من شرك المضيق الخطر قرب
رأس الرجاء الصالح سوى شيء يسير مما
قدّمه البحار العربي إلى البحار
البرتغالي. فقد سلمه نسخاً من مؤلفاته
ومؤلفات أبيه وجدّه في علم البحار،
وكان قد كتب أربعين مؤلفاً أشهرها: (حاوية
الاختصار في أصول علم البحار) و(
الفوايد في أصول علم البحر والقواعد).
|