مجلة الفاتح ـ الصفحة الرئيسة

 مـجــلة الـفـتـيان والـفـتـيـات.. مـجـلـة بـنـاة الـمـسـتقـبـل

    صفحات جهادية .. ومنارات علمية .. حكايات ولا أجمل .. وبطولات ولا أروع  

   تصدر في 1 و 15 من كل شهر

الفاتح ـ الصفحة الرئيسة

                   

 
     

محتويات العدد

 

الافتتاحية

أسد البحر

الفلاح

مَثل قارئ القرآن

خوف القصاص

السّواك والفرشاة

الأسد والذئب

نوارس

عائشة تقابلُ العاملَ

مِصباحُ النيون

طرائف أبي دلامة

جدتي

مملكة البحرين

العرب وكروية الأرض

الذرة الصفراء

البلابل الخشبية

حسن البنا

وامعتصماه

هؤلاء كتبوا لك

هاشم بن عُتْبة

سلّم الجنة

نرسم ونلون

أبو قرن

عزيزتي فتاة المستقبل

حكاية شهيد

مهارات

وصية شهيد

حكايات قبل النوم

رسالة من حسن سلامة.. دم الشّهيد المهندس..

كانت إسراء في رحلة العودة من عسقلان ترقب بسرعة الحافلة..تتمنّى لوكان للحافلة جناحان تطير بهماإنها تحمل كنزاً ثميناً وتريد أن تفتحه وتتعرّف عليه إنّه رسالة المجاهد حسن سلامة..أسرعي أيتها الحافلة..أسرعي أيتها الحافلة وجدّتها تصبّرها وتقول لها:في التأني السلامة وفي العجلة الندامة..العجلة من الشيطان

قفزت درجات البيت بسرعة… فتحت الباب بعد أن تركت جدّتها تلهث خلفها… أغلقت على نفسها حجرتها وأخذت تفتح الرسالة وتزيل عنها الأوراق البلاستيكيّة التي أحكمت إغلاقها بقوّة…

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

أختي في الله إسراء… طاهرة الكلمات… نقية السطور بريئة السؤال… سلام الله ورحماته عليك… لقد وصلت كلماتك الطيبة أعماق قلبي… رأيت فيها الخير والأمل والمستقبل الزّاهر… إني فخور بك وسأعتز دائماً بصداقتك الطاهرة وأعدك أن أكون خير صديق وخير أخٍ لك في الله… ستكونين كنور عينيَّ... أختي الصغيرة …

سألبّي طلبك أولاً في التعرّف عليّ وفيّ أن أحدثك عن بعض ما وفّقني الله للقيام به في خدمة ديني ووطني …

أبدأ بتعريفك على نفسي… أخوك حسن عبد الرحمن سلامة… من مخيَّم خانيونس بقطاع غزة… هاجرت عائلتي مع الذين شُرِّدوا وطردوا من بيوتهم… كان ذلك عندما احتلّ اليهود أرضنا في سنة 1984. كانت عائلتي تسكن قرية الخيمة الواقعة بالقرب من مدينة الرملة… أما أنا فولدت في خانيونس 1971. لم أشعر بهذه الولادة إلا عندما بدأت رحلتي الجهادية في الدفاع عن أرضي ووطني ومقدّساتي… رأيت نور الحياة بعد أن سرت في سبيل الله… أقاموا الظلمات الحالكة على أرض فلسطين… أقاموا ما يُسمّى "دولة إسرائيل"… طردوا شعبها واعتبروها أرضاً بلا شعب ظلماً وزوراً. بدأت أرى النور والخروج من ظلمات الاحتلال بعد أن سلكت طريق الجهاد والحرّية …

باختصار هذا أنا العبد الفقير إلى الله تعالى لا يرجومن هذه الدنيا الفانية سوى تحقيق مرضاة الله… أن نعلي راية الحق وكلمة الله وأن ننكِّس راية الباطل وكلمة الشيطان المتمثِّلة في يهود هذا الزمان ومن والاهم من حكّام وأمريكان …

أما عن قصتي في مقارعة الاحتلال الفاشم فإليك إياها باختصار شديد… كنت مختبئاً وسط بيّارة برتقال من بيّارات غزة… أرسم الخطط وأعّد العدة للمواجهة القادمة… جاءنا خبر وقع على نفوسنا كالصاعقة، كان الخبر استشهاد المهندس يحيى عياش… طار لبّي واضطربت أعصابي، المهندس في ذمة الله !! أخي وصديقي ومعلّمي ورفيق سلاحي، كان لي بمثابة أبي وأمي وأخي وكلّ شيء في حياتي… اغتالته الأيدي الصهيونية المجرمة… أكيد أنك سمعتِ الكثير عن المهندس… كان بمثابة الشبح الذي يزعج اليهود في يقظتهم وينغِّص عليهم منامهم… كان كابوساً مرعباً… أرهب أعداء الله بالعمليات العسكرية التي طالت عمق كيانهم الغاصب… الحديث عن المهندس يطول… صدر كتاب عنه تستطيعين قراءته ورؤية مشاهد العزّة والنصر في حياته العظمية…

تخفّيت وخرجت أشهد جنازته التي لم يسبق لقطاع غزّة ولا لفلسطين كلّها مثيلاً لهذه الجنازة… نصف مليون خرجوا لتشييع جنازته… ورغم منع الناس من الوصول إلا أن الشوارع الفلسطينية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب امتلأت بالمتظاهرين الغاضبين… الكلّ يطالب بالثأر ويهتف: الانتقام الانتقام يا كتائب القسام …

لبّيت هذا النداء وقرّرت من كلّ أعماقي الانتقام… الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة… كان الإعداد للمواجهة كما ذكرت لك قائماً ولكن صعود روح المهندس عجّلت الأمر وأجّجت في نفوسنا روح الانتقام من أعداء الله… أقسمت مع إخواني ورفاق الجهاد أن نلقِّن اليهود درساً لن ينسوه أبداً …

كنت أنظر إلى الأمواج البشريّة المتدفقة في الجنازة وأتذكّر جهادي وما قدّمته في سبيل الله فأشعر بالتقصير والخجل… تذكّرت الحجارة والزجاجات الفارغة أحياناً والمليئة بالبنزين والنار أحياناً أخرى… ألقيت منها الكثير أيام الانتفاضة وبداية شبابي… أخجل من نفسي وأقول لها: أصبح المطلوب الآن أكثر من هذا بكثير… تعاظم شرّهم فعلى المقاومة أن تتعاظم… يجب أن نردّ على الصاع بصاعين… على السواعد الرامية أن تطوِّر من رميها كلما زاد اليهود في بغيهم وعدوانهم… هكذا هم رجال المقاومة… الحجر ثم "المولوتوف" ثم السكين ثم إطلاق النار… ثم المتفجرات والآن ليس لها إلا العمليات الاستشهادية …

أسأل نفسي والشهيد يتقدّم الركب العظيم… ماذا قدّمت يا حسن؟‍‍ اعتقالات إداريّة الواحد تلوالآخر… كانت مواقفك في التحقيق قويّة… أفرغوا فيك سموم حقدهم ولم يأخذوا حقّاً ولا باطلاً… لا تخدع نفسك في هذه المعاناة فهذا ثمن بسيط أمام اغتيال المهندس… تعاظم المصاب فالمطلوب أعظم…

ماذا قدّمت يا حسن؟ طاردوك وأصبحت مطلوباً… قمت ببعض المناوشات ثم سافرت للخارج… من غزة إلى مصر ومن ثمّ إلى السودان وسوريا ولبنان… صحيح أنك عدت هنا كي تصدُق ما عاهدتَ الله عليه… لكنّك لحدّ الآن في مرحلة الإعداد… لم تكن العودة سهلة عليك …. بفضل الله حطّمت كلّ أسلاكهم الحدودية الشائكة ونظرياتهم الأمنية المعَّدة وعبرت إلى أرض الوطن… بدأت رحلتي الجهاديّة ولكن الذي بات مطلوباً الآن أعظم !! تساءلت بعنف.. هطلت دموعي وأنا أركض بأفكاري الملتهبة خلف الجنازة… ماذا قدّمت وما الذي سوف أقدِّمه؟ ها هوالشهيد يبسط إلىّ يده كما كان يبسطها من قبل… أنّى لي أن أرى في وجهه ابتسامة الرضي إلا بعد أن أقوم بالواجب؟ لقد صدق المهندس ما عاهد الله عليه… وما زلت أنا أنتظر… هتف نادي الجهاد في أعماقي:

- امضِ يا حسن على بركة الله.. ها هي خطى الشهيد واضحة المعالم… اتّبعها وإياك أن تتبع خطوات الشيطان …

بدأنا الإعداد السريع لسلسلة عمليات استشهادية… كان الشباب فرسان الشهادة يتسابقون للّحاق بالمهندس إلى الفردوس الأعلى. كانوا مثل رجال الله في معركة بدر وأحد ومؤتة واليرموك… كانوا مثل خالد وسعد وأبي عبيدة الذين كانوا يحبّون الموت ولقاء الله كما يحب أعداؤهم الحياة، اخترنا نقطة الانطلاق من الضفة الغربيَّة حيث إن قطاع غزة كان يخضع لإجراءات أمنيّة قاسية… نسّقنا الأمر مع أخوة لنا من القدس… نقلنا المتفجرات والحقائب الاستشهادية… وعلى حسب الخطة المرسومة سرنا بعون الله… كانت العملية الأولى يوم الأحد الموافق 25/2/1996م… كان فارسها الشهيد مجدي أبووردة من مخيّم الفوار… كيف كان الاختيار والوصول إلى هؤلاء الفرسان؟... هذا من الجانب السرّي للمخطّط، لا أستطيع أن أبوح به… وصل الشهيد إلى الهدف… صعد الحافلة خط رقم 18... يده على كبسة التفجير… قلبه مطمئن بذكر الله… الله أكبر تتعاظم في نفسه…

تصاغرت الدنيا، تصاغر اليهود فأصبحوا في نظره كالذباب أوالجراد… إن الذي يرضى لنفسه سحق شعب آخر… يسمع آلامه… آهات الأمهات ودموع الأطفال… أنين المشبوحين في أقبية التحقيق… إن الذي يقهر شعبنا ويطحن عظام أطفال الحجارة ويرتكب المجازر في حقّ الركع السجود لا يستحق إلا هذا… ومع صيحة "الله أكبر" ضغط بالإصبع الذي لا يوحّد إلا الله… ما أعظم هذه الشهادة… تتحقّق في لحظة… ثانية ينتقل بها البطل من ظلمات الاحتلال وقهره إلى "عند ربهم يُرزقون"… "فرحين بما آتاهم الله من فضله"… أسأل الله يا صديقتي أن يكتب لي الشهادة فهذه أسمى ما أتمنّى… شاهدت على التلفاز الأشلاء المتناثرة… عشرات القتلى والجرحى… إنه مشهد مؤلم لا يحب أن يراه المسلم لأن الإسلام دين السلام والمحبّة ولكن ماذا نفعل مع الذين قتلوا السلام ويحاولون ليل نهار قتل كلّ شيء في حياتنا… دمنا لا يمكن أن يكون أرخص من دمهم… لا يمكن لدم المهندس أن يكون أرخص من دم شلومووكوهين… رابين وبيرس ونتنياهووباراك… كلّهم مصّاصوا دماء مصّوا من شعبنا أنهاراً من الدماء الزكيَّة البريئة… كلّهم جنرالات في جيش الإجرام الصهيوني...

ومع هذه العملية وفي نفس الوقت كان الشهيد إبراهيم السراحنة يتخفّى بلباس جندي ويقف بين ثلّة من جنود الصهاينة… ما إن تجمّعوا حوله وضمن الوجبة المطلوبة إلا وصاح الصيحة الخالدة ؛ "الله أكبر" ومع اشتعال صاعق التفجير كان عدد آخر من القتلى والجرحى. هزَّ الانفجار دولة الكيان المسخ… دبّ الرعب في نفوسهم، نزلوا إلى الملاجئ والتزموا البيوت… فرض الجيش الطوق الأمني المشدّد على الضفة وغزة… ضربوا بسيف العقوبات الجماعية علّها تساعدهم في  محنتهم التي لم يشهدوا مثلها منذ تأسيس دولتهم الباطلة.

وبعد أسبوع واحد تقدّم الشهيد رائد الشرنوبي من قرية برقة قضاء نابلس إلى نفس الحافلة وفي نفس الميعاد… أعاد على مسامعهم صيحة "الله أكبر" ببسالة فائقة… الشجاعة تتقدّم في نفوس هؤلاء الأبطال ولا يوجد للجبن عندهم أي أثر… ثمانية عشر قتيلاً وعشرات الجرحى… ملأت الفرحة نفوس الناس، شاهدوا صفاء السماء، شروق شمس الحرّية… تسبيح مخلوقات الله… شاهدوا وكأن وجه المهندس يلوح في سماء فلسطين مشرقاً مبتسماً وحوله كوكبة من الشهداء يرفعون أيديهم ويحيّون الناس بسلام أهل الجنّة …

ربح البيع يا يحيى… متى اللحاق بك يا يحيى… يا رب أنت أكرم الأكرمين …

صديقتي العزيزة إسراء …

رحلتنا مع الاحتلال طويلة… هذه جولة ولنا معهم جولات… مهما طال الليل فالصبح آتٍ لا محالة بإذن الله… شاءت الأقدار أن نقع في الأسر وحكموني بستةٍ وأربعين مؤبّداً. أنظري إلى سخف عقولهم… ليس أنا وحدي وإنما معي إخواني منهم المؤبّد ومنهم ما دون ذلك…

إننا في رحمة الله التي لا تغيب عنا لحظة واحدة ومعنا أملنا الكبير في الله ثم في ذاك الفارس الذي سيُكسر القيد على يديه ومن ثم يكون الفرح إن شاء الله …

هذه هي قصتي باختصار… ولي منك طلب وهوأن تدعي لي وللأسرى كافة عندما تصلّين في المسجد الأقصى المبارك… ولك خالص الدعاء …

أخوك:

حسن سلامة

20/6/1999

طوت إسراء الرسالة… ضمَّتها إلى قلبها… دعت الله أن يفرِّج كرب حسن سلامة وإخوانه المجاهدين في السجون الصهيونية… وبالطبع لم تنسَ الدعاء لعمِّها حبيب قلبها.

فتحت قفل الجارور الذي تضع فيه أوراقها المهمّة… أودعت الرسالة فيه ثم أحكمت إغلاقه. مسكت بأناملها الناعمة القلم… بعزيمة قوية وتصميم حازم بدأت تكتب:

رسالة إلى عسقلان

ورسالة إلى سجن نفحة…

للأعلى


2004 © جميع الحقوق محفوظة لموقع الفاتح                 

    أصدقاء الفاتح   

 صور لأطفال فلسطين   

أخبر صديقك عن الموقع  

 مواقع للأطفال    

مشاركات الأصدقاء   

سجل الزوار     

ارسل للفاتح رسالة أو مشاركة أو اقتراحــــ

                    الأعداد السابقة 

                  

                  لغز العدد

                 المسابقة

                ابتسامات

               تقويم اللسان