|
ولكنّه
من أجل تسلية الخليفة وإضحاكه، لا
يهمّه أحياناً أن يتعرّض للآخرين، حتى
لو كانوا ذوي منزلةٍ مرموقة في
الدّولة، لأنه حين يضمن رضا الخليفة،
يكون قد ضمن الحصانة له، والحماية من
غضب هؤلاء.
فقد
خرج المهديُّ وعليُّ بن سليمان إلى
الصيد يوماً، وكان معهما (أبو دلامة)
وراحا يطاردان الظِّباء، تتبعهم كلاب
الصَّيد. فأطلق الخليفة سهماً، فأصاب
ظبياً، فصرعه، وأطلق عليُّ بن سليمان
سهامه فأخطأت الهدف، وأصابت أحد كلاب
الصَّيد، فطلب الخليفة من (أبي دلامة)
وَصْفَ هذا المشهد شعراً، فقال:
قد
رمى المهديُّ ظبياً
شكَّ بالسـهم
فؤادهْ
وعليُّ
بـن سـليمان
رمى كلباً فصـادهْ
فهنيئــاً
لـكـمـا
كلُّ امرئٍ يأكل زادهْ
فضحك
المهدي حتى كاد يسقط عن جواده، وأمر
لأبي دلامة بجائزة سنيّة، وغضب عليُّ
بن سليمان، ولكنّه كتم غيظه، احتراماً
للخليفة.
******
بغلة
أبي دلامة

لكي
تكتمل الصورة الساخرة، الكاركاتيرية
لهذا المهرّج الذكي، وتتناسب مع طوله
الفارع، وهزاله، ولونه الأسود الحالك
السواد، اختار أبو دلامة لتنقلاته
بغلة عرجاء هزيلة، تجمع في جسمها كلّ
عيوب الدوابّ، وليس غريباً على أبي
دلامة أن يفعل ذلك، مع أنه قد حصل عدة
مرات على هدايا نفيسة، من بينها أفراس
أصيلة وبغال، ولكنه اختار هذه البغلة
العجوز، ليبعث منظره وهو يتجوّل فوقها
الضحك والتندّر، وهذا هو غاية ما يصبو
إليه، فقد ذكر لنا المؤرخون أنه كان
يركبها في الشوارع، ويجري عليها في
الطرقات، ويتعمّد، في أكثر الأحيان
عندما يسمع بقدوم موكب الخليفة،
مقابلته واختراق موكبه، وهو على هذه
البغلة، فيضحك الخليفة، ويضحك الناس،
وكلُّ من في الموكب، من دون أن يتعرض
إليه أحد بسوء.
وفاته:
وفي
عام (161هـ) توفي هذا الشاعر الفكه
الظريف، وقد ترك لنا لوناً طريفاً،
خفيفاً من الأدب يتسلّى به الناس في
مجالسهم، ويتفكّهُ بحكاياته المثيرة،
وقصصه الساخرة، منذ الزمن البعيد حتى
الآن.
|