|
لقد
حدّثني عمّي الأسير عندكم "عز الدين"
عن جهادكم ومواقفكم البطولية وعن
ثباتكم وصمودكم في وجه المحتل… قال لي
إن الرد الصحيح والوحيد على ظلم
الاحتلال وقهره هوالمقاومة والجهاد…
ضرب لي مثلاً رائعاً على نجاح هذه
القاعدة وهوحزب الله… ها هويذيق
اليهود عاقبة ظلمهم وفسادهم في الأرض…
هاهم يتمنّون الخروج من لبنان بسلام
والتراجع عن الأرض التي احتلوها…
المقاومة بأسلحتها البسيطة تهزِم
الاحتلال بأسلحته الثقيلة… الله أكبر
ولله الحمد…
إخواني
المجاهدين.. أعرّفكم على نفسي أولاً
حتى أكسب صداقتكم…
أختكم
في الله: إسراء محمود من سكان القدس في
الصف السابع، مجتهدة في دروسي… أحبّ
المراسلة خاصة مراسلة المجاهدين الذين
فتحوا لنا طريق العزة والنصر بإذن الله...

رأيت
بعضكم خلال زيارتي لعمّي عز الدين من
وراء الشبك… لم أتمكّن من الحديث معكم…
فكما تعلمون وقت الزيارة قصير ولا
يتّسع لعمي وحده… أرجوأن نعوِّض هذا
من خلال المراسلة… أرجوأن تعطوني
جزءاً من وقتكم فتكتبوا لي بعض
المعلومات الضرورية والهامة عن حزب
الله.. عن أسلوبه في المقاومة… كيف فرض
نفسه في أرض المعركة؟ كيف ينتصر على
اليهود رغم قوّتهم الكبيرة؟ أبرز
عملياته البطولية؟ هل ستصلون إلى
القدس في يوم من الأيام فنصلّي معاً في
المسجد الأقصى؟ أسأل الله أن نستضيفكم
في القدس على موائد الرحمن.
إني
أنتظر رسالة منكم تشفي فضولي.
أستودعكم
الله والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.
أختكم:
إسراء
محمود
القدس
15/6/1999
وكتبت
رسالة إلى سجن نفحة… طلبت فيها من
المجاهد "محمد عياش" أن يحدّثها
عن الشهيد البطل عماد عقل وعن بطولاته
الجهادية التي قام بها مع إخوانه قبل
أن ينال الشهادة وينتقل إلى عليّين
والفردوس الأعلى… أغلقت الرسالتين…
وضعت العناوين ثم انطلقت إلى البريد..
عادت من هناك فوجدت طعام العشاء ينتظر…
أمّها وجدّتها وجدّها ينتظرونها…
يرقبونها بعيون الحب ويثقون بتصرفاتها
لأنها ذكيّة ومجتهدة ومؤدّبة… قال لها جدّها: "تعالي
يا إسراء وحدّثينا عن هذه الرسائل"…
تربّعت
أمام الطعام وقالت:
-
نعم سأحدّثكم أثناء تناول الطعام…
جيِّد الحديث على الطعام وكذلك فإننا
نستغل هذا الوقت خير استغلال… نغذّي
بطوننا وعقولنا… وعند البطون لا تغيب
الذهون …
حسن
سلامة قائد منطقة يافا – اللد - الرملة
كانت
إسراء بجوار جدّتها تنظر إلى ترتيب
الطبيعة وجمالها… ينشرح صدرها إلى
آيات الإبداع التي تراها منتشرة في
ربوع فلسطين، تنظر إلى جمال المخلوقات
فيرنوقلبها إلى تسبيح الخالق الذي خلق
فسوّى وقدّر فهدى… سطور طويلة من
القطن الأخضر تمتد على مرمى البصر،
تتهيّأ وتنتظر يوم الزفاف، يوم تنفض
ريشها وتلبس البياض… يا لها من لوحة
فنية في غاية الإبداع… تتساءل إسراء:
من رسمك؟ من سوّاك بهذا الشكل البديع؟!
تسمع
طقطقة مسبحة جدّتها فتردّد معها…
سبحان الله …

قالت
إٍسراء لجدّتها:
-
في الزيارة السابقة وصلنا في قصة حسن
سلامة "أبوعلي" عندما كان في مصر
والتقى مع القائد الفلسطيني عبد
القادر الحسيني… ثم ماذا حدث بعد ذلك
يا جدّتي؟..
قالت
جدّتها والابتسامة تشعّ نوراً من
وجهها:
-
ألم تكتفِ برسالة حسن سلامة؟
ردّت
إسراء بحزم:
-
أريد أن أعرف أخبار الإثنين.. أعطني ما
عندك وإلاّ..؟
-
لا، لا تهدّديني …. سأعطيك… بعد
الصلاة على رسول الله …
-
اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله
وأصحابه أجمعين…
-
عندما أعلن قرار التقسيم اندلعت الحرب…
هذا القرار الظالم الذي يقضي بتقسيم
فلسطين بين العرب واليهود… فلسطين أرض
الآباء والأجداد… أرض العرب
والمسلمين، قلب العالم الإسلامي
وشريان حياته يُقطع نصفه لليهود… هبّت
الجماهير تنافح عن فلسطين بكلّ ما
أوتيت من قوة… عندئذ عُيّن عبد القادر
الحسيني قائداً لمنطقة القدس، وعُيّن
حسن سلامة "أبوعلي" قائداً لمنطقة
يافا – اللد، والرملة. كانت هذه
المنطقة بمثابة العمود الفقري لفلسطين
كلها… وكان التجمّع اليهودي الكبير في
هذه المنطقة… كان فيها "350" ألف
مستوطن يهودي جاءوا من كلّ أنحاء
العالم… وكان في هذه المنطقة قياداتهم
السياسية والعسكرية وتنظيماتهم
الإرهابية المسلحة بأحدث الأسلحة…
وكانت مدعومة دعماً كاملاً من قبل
الاستعمار البريطاني… تماماً كما
تدعمهم أمريكا اليوم…
سألت
إسراء:
-
أخبريني يا جدّتي… ماذا فعل "أبوعلي"
أمام هذا الخطر العظيم؟
تنهّدت
جدتها من أعماقها وقالت والألم يعتصر
قلبها …
-
أبوعلي… لقد كان بطلاً عظيماً لم يضعف
ولم يتراجع أمام قوّة اليهود
وتنظيماتهم الإجراميّة… وجد أمامه
مجموعات متناثرة من الثوار… كانت
الخلافات بين الناس كبيرة ولم تكن
الصفوف موحّدة… بينما كان اليهود
يقاتلون بتخطيط عسكري قويّ وكانت
صفوفهم موحّدة… يسعون نحوأهدافهم
بكلّ قوّة… أهدافهم احتلال كلّ فلسطين
وإقامة وطن لهم فيها… والتوسع حتى تصل
دولتهم من النيل إلى الفرات… النيل في
مصر والفرات في العراق …
قالت
إسراء بانفعال شديد:
-
يجب أن يقف كلّ الناس في وجه هذا
الطغيان.. يجب أن يحارب الجميع مع "أبوعلي".
-
خسارة يا بنتي - قلة قليلة هي التي وقفت
مع "أبوعلي"… كثير من الناس كانوا
مشغولين في تجارتهم وحقولهم… غرَّتهم
الحياة الدنيا… لم ينخرطوا في صفوف
المقاومة، حسبوا النّار بعيدة عنهم…
خاصة الأغنياء من النّاس… قالوا إن
يافا حسب قرار التَّقسيم ستُصبح عاصمة
فلسطين و"تل أبيب" عاصمة دولة
اليهود… وبالتالي لنحافظ على مصالحنا
ونهتم بشؤوننا الخاصة… يئسوا من
الثورة والثوار ولاذوا إلى جبنهم
وضعفهم… لوأنهم جنّدوا شبابهم
وساهموا بأموالهم واستعانوا بربّهم
قبل كلّ شيء لانتصروا على اليهود… يا
بنتي يقول الله تبارك وتعالى: "إن
تنصروا الله ينصركم"..
-
هل تركوا "أبوعلي" لوحده في قتال
اليهود؟!
-
بقيَ معه أعداد قليلة من الثوار،
يقاتلون معه… لقد ثبت في أرض المعركة
رغم قلة العدد وقلة السلاح.
-
ولكنه على الحق… أخذنا في المدرسة عن
معركة بدر… وكتب لي عمّي عن قصة طالوت
وجالوت… "كم من فئةٍ قليلةْ غلبت
فئةً كثيرة بإذن الله"..
-
متى يا جدّتي تغلب الفئة القليلة الفئة
الكثيرة… قولي لي …

-
عندما نكون على الإيمان… وعندما نحسِن
الإعداد، أي عندما نفعل مثل ما فعل
صلاح الدين عندما حرَّر القدس… عاد
الناس إلى دينهم، توحّدوا وضحّوا في
سبيل الله فانتصروا على أعدائهم…
إيمان، وحدة، تضحية.
-
أحسنت يا إسراء… أهل يافا
والفلسطينيون في معركتهم التي خسروا
فيها فلسطين لم يُحسنوا الإعداد…
بينما اليهود أحسنوا الإعداد، وكذلك
عنصر الإيمان لم يكن كما يجب… لوكان
الإيمان قوياً لضحّوا بالدنيا متاع
الغرور من أجل الدين والوطن… لوكان
الإيمان قوّياً لتوكَّلوا على الله
وثبتوا في أرض المعركة… لقد توكّلوا
على إمدادات الجيوش العربية… وصلت
رسالة إلى "أبوعلي" من الجامعة
العربية تخبره فيها أن مهمة يافا
الرئيسية هي مشاغلة اليهود إلى أن تدخل
الجيوش العربية إلى فلسطين… اعتمدوا
على هذه الوعود ولم يقف مع الثوار
الوقفة المطلوبة إلا نفر قليل من الناس…
كانت يافا غنيّة… لووقف تجارها الوقفة
المطلوبة لما استطاعت عصابات اليهود
أن تحتلها… في القرى المجاورة كانت
النساء تتبرّع بصيغها وذهبها… لم
يموّل تجار يافا الأغنياء الثورة
حرصاً على أموالهم فماذا كانت
النتيجة؟
أجابت
إسراء:
-
خسروا المال، التجارة، حقول البرتقال
وأرضهم ومدينتهم عروس فلسطين، قال لي
عمّي مراراً حديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم : "ما ترك قومٌ الجهاد إلاّ
ذلوا"… المهم كيف حارب "أبوعلي"
اليهود؟
-
أرى أننا اقتربنا من السجن… المرّة
القادمة سأحدثك عن المعركة… حسن سلامة
في مواجهة جحافل الصهاينة …
-
حسناً… دعيني الآن حتى أرتـِّب أفكاري
لعمّي… عندي أسئلة كثيرة… أريد أن
أعرف عن جهاده أولاً كي سرقوا عينيه؟
|